المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الخامسة ******


سمر الموحد
09-28-2006, 04:56 PM
[size=5][color=#008000]موضوع الرسالة: الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الخامسة

--------------------------------------------------------------------------------

بُـــدور
(6)
وحدثتـك الليـالي أن شيمتهــا تفريـق ما جَمعتـه فاسمـع الخبرا
وكن على حذرٍ منهـا فقد نصحتْ وانظر إليهـا ترى الآيات والعبـرا
فهل رأيت جديداً لم يعـد خَلِقــاً وهـل سمعت بصفوٍ لم يعـد كدراً

أقبلت ابنتي بدور.ز يسبها صوت كتغريد الطيور.. وما أن التفتُّ إليها فإذا بها تجري نحوي بسرعة رافعة يديها..
ضممتها بقوة.. وتحسست أطراف أصابتها تخترق جسمي.. أغمضت عينيّ.. حمدت الله.. نعمٌ كثيرةٌ..
زوج وطفلة.. وسعادة ورافة الظلال..
تذكرت تلك الأيام الأولى.. وأنا لازلت في المرحلة الثانوية.. ولكن بحكم القرابة وافق الأهل.. سنوات مضت من تلك اللحظة التي علمت بأن عادل تقدم لخطبتي
كانت قلوب الكثيرات تتمناه.. جمع بين حُسن الخلق والدين..
• بعد انتظار طويل تمّ عقد الزواج بعد أن نلت شهادتي الجامعية.. بدأنا نفكر في المستقبل..
ونحن في بداية الطريق.. والآمال كبيرة.. والطموحات كثيرة.. تم التعاقد معه للعمل في المملكة..
سافر وحده.. وبقي في غربته.. وأنا وحيدةٌ في غربتي.. بعد عام ونصف من بعد المسافات ومن الشوق والحنين
قدمت إليه وكلي خوفٌ من الغربة الجديدة.. وخوف من الوحدة.. كيف سأعيش بعيدة عن أهلي وأقاربي..
ولكن تذكرت أن هنا زوجاً ينتظرني.. ذا خلقٍ ودين ما حلمت به في منامي ويقظتي من صفات وجدتها فيه.. حُسن المعاشرة.. لينُ الجانب.. بشاشة الوجه.. صفاءُ النفس.. صدق الحديث.. منحني من الحنان أوفره ومن العطف أكثر جمعت بيننا الغربة.. ونمتْ في قلوبنا المودة
أشياؤه البسيطة.. أحببتها..
أحياناً يطلب كأساً من الماء أو الشاي.. يُتبعه الثناء والشكر عجبتُ من أدبه وحسن تعامله..
قلت له: لا تشكرني على خدمتك.. هذا واجبي نحوك.. ولكنه كان يغمرني بطيب أخلاقه..
حمدت الله وشكرته.. أن زوقني بزوج مسحَ دموع الغربة وعوضني فقد من أحب..
كان لي نعم الزوج والأب والأهل..
• وأنا في الشهور الأخيرة من حملي..
لم يرهقني بطلب.. ولم يأمرني بما لا أستطيع
بل كان يقدم لي سؤالاً قبل طلبه
هل أنت مرهقة..؟ هل أنت متعبة؟
كان يشاركني فَرحَه.. وحُلمه.. ويقول إن رزقنا الله طفلاً.. سنسميه بلالاً.. كان يحب بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• تمر الأيام الأخيرة للحمل.. وأضع طفلة كالبدر.. أسميناها بدور.. سألته يوماً وهو يداعبها..
هل أنت حزين لأنها أتت بدور ولم يأت بلال..؟
قال لي.ز إن هذا رزق الله (يهب لمن يشاءُ إناثاً ويهب لمن يشاءٌ الذكور) ومن رزقنا بدوراً.. يرزقنا بلالاً.. إن شاء الله
الحمد لله.. ظِلُّ السعادة يزيد.. وشجرة المحبة تكبر وتنمر.. ومن نِعم الله علينا.. قدومنا إلى هذه البلاد..
حيث دروس العلماء.. والمحاضرات والندوات.. وحتى مجتمع المدرسة مجتمع تناصح وخير.. أهدتني زميلة لي في المدرسة .. شريط.." أيتها المرأة الحجاب أو النار " لأحد العلماء...
بمجرد سماعي لهذا الشريط . هداني الله لغطاء وجهي .. كان زوجي يفرح بسماع أذان الفجر .. يهب من فراشه مسرعاً .. يوقظني .. ويخرج للصلاة .. وكانت وصيته لي وأنا ذاهبة للمدرسة أنت مربية الأجيال.. عليك بإخلاص..
وحذري الغيبة والنميمة .. إن كان في حديثك خيرٌ فتحدثي لا خير في حديث تندمين عليه يوم القيامة..
في ذهابنا وعودتنا.. غالباً نسمع شريطاً لأحد العلماء.. مرت الأيام حلوة جميلة.. كهبات نسيم معطرة..
• وفي يوم .. مثل بقية الأيام ..
ذهبت للمدرسة .. وعندما خرجت بعد صلاة الظهر من المدرسة .. رأيته على غير عادته .. لاحظت تعبه وإرهاقه .. قلت ماذا بك ..؟؟
قال .. مرهق وأحس بدوار في رأسي وعندما وصلنا إلى المنزل.. جهزت له طعام الغداء..
لم يستطع أن يتحرك من سريره.. أطعمته بيدي كررت عليه السؤال.. ما بك؟!
قال.. مرهق وأريد أن أرتاح..
تركته نائماً حتى موعد صلاة العصر.. أيقظته.. لم يستطع أن يستيقظ.. اتصلت بالجيران.. ذهبت معهم إلى المستشفى..
• وهناك.. كانت بداية النهاية..
أتى الطبيب بخطوات سريعة .. وقال لي .. حالة زوجك حرجة وهناك اشتباه في وجود التهاب على قشرة المخ..
ثم فصل الأمر ..
هناك نوعان .. نوع بسيط ونوع خطير
تقبلت الخبر بثبات .. وما كنت أظن أني كذلك ..
حتى الساعة الواحدة والنصف ليلاً وأنا أصلي وأدعو الله أن يشفيه.. ظل في غيبوبة ثلاثة أيام متواصلة من ظهر يوم الأربعاء... ومروراً بيومي الخميس والجمعة..
وفي صباح يوم السبت.. تحسنت حالته وأفاق من غيبوبته وبدأ يعرف الزائرين شكلاً.. وعندما اقتربت منه..
قلت له.. هل عرفتني يا عادل ؟
قال.. لا...
قلت له أتعرف بدور ؟
قال هي ابنتي..
أردفت بسرعة ..أنا أم بدور..
تبسم ضاحكاً وقال.. أنت زوجتي !!
بكيت بكاءً مراًّ ..
قبل ثلاثة أيام .. كيف كان حاله .. ذاكرته .. عقله .. سؤاله عني ..واليوم تبدلت الأحوال.. لا يعرف حتى أحب الناس إليه.. لا يعرف زوجته وابنته..!!!
طال بي التفكير.. ولم أنس ذكر الله .. وتنبهت على صوت الإمام يقرأ في الصلاة..وكأنه يخاطبني..  يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين  ..
وأنا أتابع الآيات تتابعت دموعي.. وعلمت أنني من أصحاب هذه الآية..
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  ..
نحن هنا في غربة.. وبفقد الزوج.. في مصيبة.. من يذهب بي إليه في المستشفى.. من يأتي معي.. إنها غربة وأشد أنواعالغربة.. خاصة إذا كانت إمرأة ضعيفة مثلي.. وحيدة في بيتها.. لا أخ ولا أب.. ولا زوج..
في يوم الأحد كتمت حزني.. ذهبت مع أحد أصدقائه وزوجته.. اليوم سعادتي لا توصف.. وفرحي لا نهاية له..
عرفني زوجي.. وعرف كل من ذهب إليه
شد انتباه من حوله.. أن كل زائر ملتحٍ يبتسم له ويعرفه.. ولكنه لا يستطيع تذكر الأسماء.. أما أنا زوجته وأم أبنائه.. عرفني منذ أن رآني.. وناداني باسمي.. وابتسم في وجهي..
كأني لم أذق طعم السعادة إلا اليوم.. وكأني لم أسمع اسمي على لسانه إلا هذه المرة..
طلب مني أن يتوضأ للصلاة ويصلي ما فاته من الصلوات في الأيام الماضية.. هاجسه الأذان.. وحديثه الصلاة..
• في أحداث سريعة..
يوم الاثنين.. نقلوه إلى غرفة بمفرده لأن الفيروس انتشر في جسمه وزادت حرارته.. كان هذا اليوم.. يوماً مشهود في حياته..
كل يوم أزوره من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة.. ومن الساعة السابعة وحتى التاسعة.. وأراد الله هذا اليوم أن أبقى معه من الثالثة وحتى التاسعة..
وأنا أضع له الكمادات على وجهه ويديه ورجليه.. ولكن حرارته في ازدياد..
بدأت أقرأ القرآن بصوت يسمعه..
وعندما توقفت برهة عن القراءة لكي أضع الكمادات على قدميه..
قال لي.. افتحي جهاز التسجيل..
فرحت وقلت له.. تريد أن تسمع القرآن يا عادل..
قال.. طبعاً..
أكملت له التلاوة إلى أن أتى موعد الزيارة الثانية وحضر بعض زملائه وأصدقائه.. ومنهم صديق له ملتزم يحبه ويوده..
تبسم زوجي عندما شاهده.. ومد يده نحوه ليسلم عليه..
ولكن كانت فرحتي أكبر فمددت يدي بسرعة.. وصافحت زوجي.. وكان آخر سلام ومصافحة له..
ذهبت إلى منزلي فارغة القلب.. مهمومة النفس
أغالب الحزن.. وأسأل الله الثبات
مع تباشير فجر يوم الثلاثاء.. والمؤذن يرفع صوته بالآذان.. الله أكبر.. الله أكبر..
فتح عادل عينيه وجلس نصف جلسة على سريره.. ونظر بعينيه إلى السماء..
ثم رجع إلى الخلف وأغمض عينيه.. وصعدت روحه إلى بارئها..
كل إنسان له نهاية.. وقد حانت نهايته.. في هذا اليوم.. أصبح من أهل الدنيا وأمسى من أهل الآخرة
• في الصباح.. بحثت عمن يذهب بي إلى المستشفى وتطوع احد الجيران مع زوجته
شعرت أن زوجي ربما قد حدث له شيء من أثر الحرارة المستمرة..
ونحن بجوار المستشفى قال لي جارنا.. انتظري سأذهب وأسأل عن حالته ثم أعود..
رفعت طرفي إلى مكان غرفته.. أقلب الطرف.. ويعود كسيراً..
طالت غيبة جارنا.. أو حسبت أن الأمر كذلك..
لم أستطع الصبر.. وعندما هممت بدخول المستشفى.. فإذا به قادم مطأطئ الرأس..
قال بصوت خافت.. رحمه الله.. اصبري..
قلت له.. هل ذهبوا به من هنا..؟
قال.. لا..
قلت .. لابد أن أراه.. ,أصررت على ذلك ذهبنا نحن الثلاثة.. وأنا أردد  إنا لله وإنا إليه راجعون 
أسابق اللحظات.. واستحث الخطى.. دلفت إلى غرفته.. فإذا به ممدداً على السرير.. ومغطى برداء.. كشفت الغطاء..
فإذا بوجهه تعلوه السكينة والبشر.. لم أشعر إلا وأنا أقبله على جبينه..إلى جنة الخلد.. إلى الحور العين..
أخرجوني ولساني يردد  إنا لله وإنا إليه راجعون 
اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها...
الصدمة قوية.. والفجيعة كبيرة..
ولكني أحتسب مصيبتي..
دفناه هنا حيث الأرض التي أحب..
فرح حولي من المعزيات.. فالجميع يعدد محاسنه.. ومحافظته على الصلاة..
حمدت الله على هذه الخاتمة الطيبة
تفكرت في حال الدنيا.. إن أعطت أخذت.. وإن أفرحت أبكت.. وإن أسرت أحزنت..
ساعات قليلة.. بين فرحي وحزني.. بين ابتسامتي ودمعتي
• اليوم..
انقلبت إليَّ غربتي.. وعادت إليَّ وحدتي..
فقدت عادل.. ولكن بقي رب عادل..
لن يضيعني أنا.. وبدور..
وهو أرحم الراحمين..



العيد
(7)

بينما الفتى مرح الخطأ فرح بما *** يسعى له إذ قيل: قد مرض الفتى
إذ قيل: بات ليلة ما نامها *** إذ قيل أصبح مثخناً ما يُرتجى
إذ قيل: أصبح شاخصاً وموجهاً *** ومعللاً إذ قيل: أصبح قد مضى

--------------------

أيام العشر الأواخر من رمضان بدأت تنقضي.. والعيد قاب قوسين أو أدنى.
لا أعرف أين سنذهب وأنا انتظر صديق الطفولة.. ولكن كالعادة الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع..
وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني.. هل جهزت ثوباً جديداً ؟! .. لقد أقبل العيد!!..
قلت له.. لا..!! قال: ما رأيك نذهب للخياط الآن..
وأنا أهز رأسي متعجباً سألته.. بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد.. أين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام ؟؟!
لم يعجبه حديثي واستغرابي..
سابق الزمن بسيارته حتى توقفت أمام الخياط بصوت قوي يوحي بالعجلة والتسرع!!..
فاجأني صاحبي بالسلام الحار على الخياط فهو يعرفه منذ زمن وقال له نريد أن نفرح بالعيد.. ونلبس الجديد!!
ضحك الرجل وأجاب وهو يربت على كتفه !! كم بقي على العيد.. لماذا لم تأت منكراً؟!
أجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى.. سنزيد لك في الأجرة.. المهم أن ينتهي بعد غد!!
وأعاد الموعد مرة أخرى.. بعد غد..!!
وأنا أراقب المفاوضات الشاقة إذا بصاحبي يدفع جزء من الثمن وهو يردد.. ويؤكد.. بعد غد..!! لا تنسى الموعد..
• حتى قبيل الفجر.. ونحن لا هون.. ساهون.. غافلون..مضت الليلة كاملة لم نذكر الله  فيها ولا مرة واحدة.. ربما أنها ليلة القدر..
حياة لا طعم فيها.. وسعادة لا مذاق لها..
ولجنا من المعاصي كل باب.. وهتكنا منها كل حجاب... وحسينا الأمر دون حساب.. إظهار للسرور والسعادة.. وضحكات تملأ المكان.. ولكن في القلب هم وغم.. والنفس تلحق بها حسرات ويحيطها نكد..
افترقنا قبيل الفجر.. يجمعنا الليل والسهر والعبث.. نلتقي على المعاصي وتجمعنا الذنوب.. نوم طويل.. يمتد من الفجر حتى العصر.. صيام بلا صلاة.. وصلاة بلا قلب..
ساعة الصيام التي استيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام.. أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة.. وبقراءة الصحف والمجلات..
وأنا أنتظر موعد أذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء.. وصوته متغير وقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض..
قلت.... لا.. مساء البارحة كان بصحة وعافية..
قال.. إنه مريض..
انتهت المكالمة.. والأمر لا يعني لي شيئاً.. سوى معلومة غير صحيحة.. والمؤذن يرفع أذان العشاء.. فإذا بالهاتف يناديني.. إنه الشقيق الأكبر لعبد الرحمن...
قلت في نفسي ماذا يريد؟. هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن؟؟!!
أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا أو سقطة من سقطاتنا!!..
ولكن أتى صوته منهكاً مجهداً.. وعبراته تقطع الحديث... وأخبرني بالخبر.. مات عبد الرحمن..
بُهِتُّ ولم أصدق.. لا أزال أراه أمامي.. وصوته يرن في أذني كيف مات؟؟!!
وهو عائد إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة ثم حمل إلى المستشفى.. ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم..
أذني لا تصدق ما تسمع.. لا أزال أراه أمامي..نعم أمامي بل اليوم موعدنا إلى السوق الفلاني.. بل وغداً موعد ثياب العيد..
ولكنه أيقظني من غفوتي وهز جوانحي وأزال غشاوة على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً.. أخبر زملائك!! انتهى الحديث..
تأكدت أن الأمر جدُّ لا هزل فيه.. وأن أيام عبد الرحمن انقضت آمنت بأن الأمر حق.. وأن الموت حق.. وأن غداً موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط!! لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد.. تسمرت في مكاني.. وأُصبت بتشتت في ذهني.. وبدوار في رأسي.. قررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الأمر.. وأستوضح الفاجعة..
وعندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل.. أخرجته.. فانبعث صوت إمام الحرم من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته.. أنصت بكل جوارحي.. وأرهفت سمعي كأن الدنيا انقلبت.. والقيامة قامت.. والناس تغيرت.. أوقفت سيارتي جانباً أستمع.. وأستمع.. وكأني أول مرة أسمع القرآن..
وعندما بدأ دعاء القنوت.. كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام.. رفعت يدي تستقبل تلك الدموع.. وقلبي يردد صدى تلك العبرات.. وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع..
أعلنت توبة صادقة.. بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة..
من كرهتهم.. هم أحب الناس إليَّ.. من تطاولت عليهم.. هم أرفع الناس في عيني.. من استهزأت بهم.. هم أكرم الناس عندي... كنت على شفا جرف هار.. ولكن الله رحمني..
بعد فترة من الزمن.. هدأت نفسي.. أطلت سعادة لا أعرفها.. انشراح في القلب..
وعلى عيني سكينة ووقار..
• فاجأت الخياط وسألته عن ثوبي.. سأل عن عبد الرحمن.. قلت له مات..
أعاد الاسم مرة أخرى.. قلت له.. مات.. بدأ يصف لي الرجل وسيارته وحديثه.. قلت نعم هو.. لقد مات وعندما أراني ثوبه بدأت أسترجع الذاكرة.. هل حقاً مات؟؟!!
ثوبي بجوار ثوبه.. ومقعدي في السيارة بجوار مقعده.. ولكن بقي لي أجل وعمر.. لعلي استدرك ما فات..
حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة ولكن.. بقي أخ لي هناك.. لا يزال على عينيه غشاوة ويعلو قلبه ران المعصية.. هل أتركه؟!.. شمرت عن ساعدي.. لن أتركه..
أمامه نارٌ وعذاب.. وأهوال وصعاب.. لن أتركه.. وقد هداني الله..
هنا كتاب.. وهناك شريط..
وبيني وبينه نصيحة صادقة .



إلا باب السماء
(8)
قال بعض السلف: من الذنوب ذنوبٌ لا يُكفرها إلا الغم بالعيال.

------------------------

قال محدثي يؤكد ذلك:
إنها من صميم الواقع.. ليست من نسج الخيال.. ولا أسطورة من الأساطير.. أنا الأب.. وطفلي محور الحديث بعد انقضاء شهر رمضان ومع إطلالة العيد.ز لاحظت أن ابني عبد الله صاحب السنتين والنصف متعب ودرجة حرارته مرتفعة.. اختفت الابتسامة.. وذبلت النضارة.. ولم يعد صاحب الحركة والشقاوة.. أصبه الضعف فجأة.. نظراته زائغة.. وحديثه متقطع.. يبحث عن مكان ينزوي فيه..
فزعنا إلى الكمادات والمهدئات ريثما نبحث عن طبيب.. لكن الحرارة عادت مرة أخرى في الارتفاع.. ليس هناك خيار.. ولا وقت للتشاور..
تبادر إلى ذهني جميع المستشفيات.. ولكن نحن في إجازة.. قررت الذهاب به للطوارئ.. قلت لوالدته وأنا أحمله بي يدي.. لا تخافي.. كل الأطفال هكذا.. وتابعت حديثي لأطمئنها قبل أن أغلق الباب الطفل سريع المرض.. سريع الشفاء.. هدأي من روعك.. واتكلي على الله..
• بعد سير متقطع من شدة الزحام
تبهرك الأنوار في الخارج
ثم تدلف إلى عالم آخر وأنت تصعد عتبات المستشفى..
والتسلط فيه.. الإنسان هنا ضعيفٌ.ز ضعيف.. هذا منكس الرأس.. وذاك ممسك بكلتا يديه على بطنه.. وصمت أنين تسمعه يقطع الصمت ولا ترى صاحبه
أما الجرحى ونزف الدماء.. تراه بين حين وآخر يسبقه صوت سيارة الإسعاف في الخارج.. ثم لحظات وتقع عينك عليه..
لا تتذكر أن هناك شيئاً اسمه الصحة والعافية إلا إذا أتيت هنا..
في زاوية بعيدة.. صاحب الثمانين عاماً.. رجل مكتمل العمر تراه فقد كل شيء!!
النظرات.. زائغة.. يمنة ويسرة.. تبحث عن طبيب.. عن دواء.. لا تُحس نعمة العافية إلا عندما ترى وتُشاهد.. ربما تجد صحيحاً معافى يسير ببط وكأنه يقفز ويجتاز البحار في عيون المرضى..
هانت حالة ابني عندما رأيت الأم يعتصر الجميع..
صُرف لنا أشكال وألوان من الأدوية.. تحسست طعم العافية وأنا أخرج من المستشفى..
• في اليوم الأول تحسنت صحته قليلاً..
ولكن بعد نفاد الدواء عادت الحرارة.. عُدنا إلى الطبيب.. لمح في عينيّ وأنا أشرح حالة ابني الاضطراب والقلق.. طمأنني.. لا تخف.. وصرف لنا نفس الأدوية السابق!!
نفرح بالدواء عندما يُصرف.. ولكن الحالة تعاوده..
تكررت المراجعة خمسة أسابيع متتالية ولكن بدون نتيجة..
ساورني الخوف.. ووالدته أكثر مني.. أصبح حديثنا هو.. بدأ الطفل يضعف وتقل شهيته للأكل.. يمشي ببطء ويحس بوجع في عظامه ولاحظت والدته اصفراراً في لونه..
ذهبت به إلى مستشفى خاص وفحصه استشاري.. سأل أسئلة كثيرة.. وقال بعد محاورة طويلة:
هذه الحالة لا تحتاج لمجرد صرف الأدوية والفحص السريع.. لابدّ من تنويم وتحليل شامل.. أدركت أن في الأمر شيئاً وأن هناك أياماً طويلاً تنتظرنا.ز قَبلتُ جبينه وحملته إلى قسم التنويم.. بدأت تنهال عليه الحقن بأشكال وألوان مختلفة وهو يستنجد بي.. لا أملك إلا أن أُمسكه بقوة وأسلمه لتلك الحقن..
علا صوته.. وارتفع أنينه.. وسالت دموعه بعضها يسقط على يدي وأنا ممسك به..
تخاطبني تلك الدموع.. ما هذه القسوة يا أبي..؟
شيء في صدري يضطرم.. وبين أحشائي قلب يذوب..
دموعك يا بني.. ليست إلا نقطة في بحر آلامي..
يا بني.. أنا لست تمثالاً ولا قلبي حجر..


نكمل ان شاء الله

سمر الموحد
09-28-2006, 04:57 PM
• مرت بضعة أيام ونحن في ترقب.. كلما دخل علينا طبيب تلهفنا سماع جواب منه.. ننتظر كلمة تُحيي الأمل.. وتداوي الجُرح ولكن التحاليل على كثرتها لم تعط نتيجة واضحة!!
الرد الوحيد.. المرض في الدم
زاد تدهور صحة طفلي حتى لم يعد يقدر على الجلوس فضلاً عن الوقوف.. ونظرات شاردة تطاردني كلما أقبلت
وسؤال في عينيه.. متى أخرج من هنا..؟!
بارقة الأمل في علاجه تخبو وأنا أسمع الطبيب يحادث زميله:
(رغم ضعفه الشديد لا نستطيع نقل الدم إليه لأن ذلك يؤثر على نتيجة التحاليل).
• ونحن في تلك الحال.. والأيام تسير ببطء وطفلي بدأ يفقد الحياة..
طلب منا الطبيب إجراء فحص لنخاع العظم.. فهو مصنع الدم في الإنسان
وافقت بدون تردد وقلبي يعتصر ألماً وأنا أنظر إلى رأسه.. وجمجمته الصغيرة.. تلمست استدارتها بيدي.. وكأني أتلمس العافية..
تم تخدير الطفل وأخذت عينة من نخاع العظم.. وطُلب مني أن أجري هذا التحليل في مستشفى خاص.. سرت وأنا أحمل العينة.. عينيّ شاخصة.. وقلبي معلق برب السماء.. لا أذوق للحياة طعماً ولا للنوم لذة..
سلمت العينة للمختبر ومعها خطاب يحدد نوع التحليل المطلوب فرحت.. ربما أن نتيجة هذا التحليل تُنهي ألمه ومرضه..
في اليوم الثاني.. واللحظات تمر بطيئة ودقات قلبي تسابق عقارب الساعة.. عجزت عن التفكير في كل شيء..
تناولت سماعة الهاتف.. ربما أن التقرير وصل.. تحاملت على نفسي وسألت عن النتيجة.. أترقب العافية والشفاء لطفلي..
عادت أذني تطرب لضحكاته.. تذكرت جريه ليستقبلني.. جلوسه على ظهري.. قُبلتُه على جبيني..
في نشوة الفرح.. أجاب بكلمة مروعة.. شتت آمالي.. وبعثرت أحلامي.. فجرت الدم في عروقي.. وتركت صداها في أُذني.. نزف لها قلبي ودمعت عيني.. ورفعت إصبعي.. الحمد لله قال (إن مرض ابنك هو سرطان في الدم).
لحظات طويلة قاسيت فيها الهموم.. اضمحلت الدنيا في عيني.. ولم تستطع قدماي السير.. سُدت الطرف أمامي.. وأُغلقت الأبواب في وجهي.. ولكن تذكرت..
هناك باب واحد لا يُغلق.. باب السماء.
فرحت بهذا الثبات..
الحمد لله.. وأكملت.. إنا لله وإنا إليه راجعون
تداركت نفسي.. تحركت خطوات ثقيلة..
دارت في ذهني أسئلة لها أول ولا أعرف لها آخر.. سأودع ابني قريباً كيف سأخبر والدته وأخوته؟ بل كيف سأنظر إليه؟ أي نظرة وداع.. أم نظرة رجاء..؟! أسرعت أسئلة متلاحقة تطرق قلبي ثم قفز سؤال شدني من مكاني.. قفز بقوة أجري هل سألحق به في المستشفى..؟ أم أنه توفي..؟
مشاعر متقلبة.. وأسئلة مضطربة.. حملت قدماي أسير في طرقات المستشفى أجمع أطراف الكلام..
• والدته بجواره.. بفرح.. بشر ما هي النتيجة؟
ماذا أجيب.. حيرتي أكبر من حيرتها.ز وحاجتي للسكوت أكبر من حاجتها للجواب.. ذبول وشحوب يخيم على سرير ابني.. أستعجل اللحظات والدقائق.. ربما ينقل إلى الرياض.. لحظاتٌ بسنوات.. ودقائق بأعوام.. تمر ببطيئة ثقيلة..
ثم نقله بعد جهد وعناء..
• في مساءٍ طويلٍ.. والحديث طويل..
الحزن يلف رداءه حولنا.. والألم ناصبٌ رايته في قبلوبنا
غداً عيد الأضحى..
زمانٌ بين عيدين.. عيدٌ بأي حال عدت يا عيد
اصبر واحتسب.. ما قدر الله كان.. مسحت الحزن على قلبي ودعوت الله دعوة موقنٍ بالإجابة
في ثاني أيام العيد..
صرخات الأطفال تصل إلى مسامعي.. وأصوات الحديث تعلن الفرح بالعيد.. والتهنئة على كل لسان
الأمر لعبد الله مختلف.. يتلوى على فراشه من الألم
نظرتُ إليه وهو على سرير المرض.. يتقلب.. لا يستطيع الحركة.. فتح عينه بصعوبة ليتأكد من وجودي.. نظرات غير مفهومة.. مسحت دمعة في عيني لِما أرى.. تحكي حالي وألمي..
ابنـي الصبـر آيات أراها وإنني أرى كل حبل بعـد حبلك أقطعا
وإنّي متى ما أدع باسمك لا تُجب وكنت جديـراً أن تُجيب وتسمعا
اليوم يبدأ علاج ابني بالعلاج الكيميائي.. وما أدراك ما العلاج الكيميائي؟!
حُقن تُعطى مع المغذي في الدم لتُمر الخلايا الخبيثة ومعها الخلايا الطيبة.. العلاج طويل ومركز يستمر ثلاث سنوات..
• في الشهر الأول من العلاج..
نوّم طفلي شهراً كاملاً ليصارع المرض ويحتسي ألم الدواء الكيميائي بعد ثلاث أسابيع.. هناك تحسن بسيط بدأ يمشي مشية بطيئة مهزوزة.. وأشار علينا الطبيب بإمكان علاجه في مدينتنا..بعد أن رأى المشقة التي أعانيها من مكوثي وحيداً مع ابني.. وأمه وأخوته هناك.. حملت طفلي مغادراً المستشفى..
حملني همّ وغمّ.. طفل يصارع الموت.. وأم تصارع الأحزان.. وأب يصارع الحياة.. وسؤال في عين طفلي..
أين تذهب بي يا أبي.. أما تعبت من حملي..؟ المستشفى آخر أم إلى بيتنا..؟ أريد أن أرى أمي..
• أقمنا مدة واضطررنا إلى العودة بعد شهرين وفي الأسبوع الأول من إقامتنا أجري تحليلاً آخر..
الفرح يُعطر المكان.. والسعادة تحوم حولنا.. ولكن المفاجأة.. أتت بصوت قوي
انتكست حالة الطفل.. مرحلة انحدار خطرة..
أصابني إعصار الفوضى.. ماذا أفعل.ز كيف أتصرف؟
لقد بدأت الخلايا السرطانية تعاود نشاطها من جديد.. لابدّ من إعادة برنامج العلاج من جديد.. وبتركيز أشد..
تأثر الطبيب وهو يقرأ التقرير ثم أردف وكأنه ينعى إليّ ابني.. إن شئت نبدأ بالعلاج من جديد هنا.. أو تعود إلى جدة.. قلت له بل هناك في جدة
أمسكت تقرير ابني في يدي.. وخرجت بطفلي من المستشفى وصوت الطبيب يُلاحقني..
عليك بسرعة العلاج وعدم الإهمال.. حالة الطفل خطيرة..
• طرقت أبواب المستشفيات..
تحمل ابني من الإبر ما لا يتحمله رجل كبير.. لم يبق موضع لإبرة جديدة.. يحتار الطبيب أين يضع إبرته.. قاسي من الآلام.. ومن البعد عن والدته وأخوته الكثير.. تعرف على وجوه الأطباء وعلى أنواع الأدوية..
أما أنا.ز فقد حفظت كل شيء في المستشفيات.. أصبحت يستنجد بي من شدة الألم ولكن ليس الأمر بيدي يا بُني..
كل الأبواب طُرقت إلا باب الله.. وكل الأبواب أُغلقت إلا باب الله..
(أمَن يّجيبُ المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)
• سمعت في تلك الفترة عن شيخ يرقي بالقرآن
وأشار علي بعض الاخوة بذلك.. الحمد لله.. والقرآن فيه شفاء..
تنازعتني الأهواء.. كثر الحديث.. تشتت ذهني..
كيف سأترك الطب الحديث.. ربما.. وربما؟!
استخرت الله قبل أن أذهب..
• نمت تلك الليلة فرأيت في المنام أني أقف على شاطئ البحر وكانت المياه على الشاطئ ضحلة.. وفي جزء معين كانت الأرض ظاهرة للعيان قد انحسر عنها ماء البحر، وفجأة تظهر حفرة في طين البحر.. يخرج منها ما يسمى سرطان البحر ويذهب بعيداً.. استيقظت وكانت نفسي منقبضة تلك الليلة من خبر انتكاس المرض.. حدثت بتلك الرؤيا من أثق به..
قال.. أبشر لعله خير إن شاء الله.. فالطين هو ابن آدم والسرطان يخرج منه إن شاء الله
استشرت خيراً وقررت الذهاب إلى الشيخ ليرقي ابني بالقرآن..
في زحام المرضى.. هناك راحة نفسية تشعر بها.. وقصص العافية تزين المكان..
بارقة أمل أطلت عليّ.. سحابة خير أظلتني..
تمت الرقية على ابني.. وطلب مني المراجعة ثلاث مرات كل أسبوع.. وأوصاني أن أقرأ بنفسي عليه آيات من القرآن
قررت إيقاف العلاج بالمستشفى.. لعدم تمكني من إخراجه عندما يبدأ علاجه بالكيميائي
• مرت ثلاثة أسابيع.. تحسنت فيها حالة ابني..
في كل موعد أسافر من جدة إلى الرياض ثم أعود..
عانيت من التعب والمشقة الكثير..
وعندما انقضت مدة الرقية وهي ثلاثة أسابيع..
قررت العودة للمستشفى.ز ولكن لابدّ من الانتظار لحين فراغ سرير..
سجلت رقم هاتفي لدي المستشفى وأعطيت أولوية الدخول نظراً لتأخري في العلاج.ز ووضع الطفل كما ذكروا لا يسمح بإضاعة دقيقة واحدة..
• أيام معدودة..
فإذا بالهاتف ينادي..
عليك الحضور سنأخذ عينة لنخاع العظم على أن يكون الطفل صائماً.. أخذت ابني.. وأخذتني الحيرة.. وتبعتها آلام الصغير وصراخه..
أقبلت على المستشفى..
وأنا أدعو الله أن لا يعيدنا إليه مرة أخرى
أخذت العينة.. وعدت للمنزل..
حدثنا.. بين التحليل والنتيجة؟! أسبوع كامل..
تركنا الأمر للتفسير.. ماذا؟ وأين؟ في موعد التحليل أسرعت بي أقدامي.. أحسست أن هناك خيراً ينتظرني..
• جلست مع الطبيب لأسأله..
فكان جوابه الذي هزّ أعماق قلبي..
تأكدت أنني أعي ما يقول..
أرهفت سمعي.. وأسكنت جوارحي..
في زمن لم يعد للفرحة في قلبي مكان
بحثت عن ابني يمنة ويسرة.. لأقبله..
لأنظر في عينيه.. لأمسح دمعته..
التفت إلى مكان لأسجد سجدة الشكر لله.. ومن أحق منه بذلك
(بعد أن كانت عند الانتكاسة بليونين من الخلايا على أقل تقدير لا أثر الآن للخلايا السرطانية)
واستطرد الطبيب
يسمى هذا بوضع الكمون..
أي عدم ظهور أي خلايا في التحليل.. ويجب وضعه تحت الملاحظة تحسباً لأي أعراض.. أسرعت خارجاً..
التفت أبحث عن هاتف لأخبر زوجتي.. ولكن خطواتي أسرع من نظري..
حمدت الله على نعمة الإسلام.. ونعمة إنزال القرآن..
سقطت دموعي حُزن أياماً طويلة..
أما الآن..
ليست دموع فرح فحسب..
بل فرح وشكر
استرجعت الذاكرة
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكفِ بربك أنه على كل شيء قديد)
رأيت هذه الآية في نفسي..
هنا بين أكوام التقارير والأرقام والتحاليل..
بين بكاء الطفل وحزن الأم.. وهم الأب..
صدق الله إذ يقول:
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين).


طريق الدعوة
(9)
بغض الحياة وخوف الله أخرجني *** وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله *** ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

-----------------

الحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان.. لا نعبد صنماً ولا نطوف بقبر ولا نقدس شجرة.. الحمد لله الذي جمعنا على التوحيد نعبد واحداً أحداً.. فرداً صمداً.. لا ند له ولا شريك
هناك أيها الأحبة..
ُيعبد الحجر من دون الله.. يُطاف على القبور.. ويتوسل بالأموات.. هناك.. الجهل ضاربٌ أطنابه.. تعشعش الخرافة.. وتنتشر البدعة.. ويخيم الشرك..
أين أنتم يا أهل الإسلام من تبليغ الدعوة..؟
ما لكم تأخرتم عن الركب..؟
من يحمل هم الدعوة سواكم وأمثالكم..؟
إنصات.. ترقب.. والشيخ واقف كالرمح بعد صلاة التراويح يتحدث.. كلماته تعطر المكان.. تلامس القلوب.. تحرك المشاعر وتشحذ النفوس..
تحسست محفظتي.. إنها دعوة للتبرع..
ولكنه توقف قليلاً.. يسترجع الأحزان من تقصير شباب الأمة وكأنه يحدثني..
لم آت هنا لجمع الأموال..
أتيت لأستحث الهمم وأذكركم بواجب الدعوة إلى الله..
كان سلفنا الصالح يقطعون الفيافي والقفار لتبليغ الدعوة.. وتصحيح المعتقد..
الآن.. وكل وسائل الدعوة ميسرة.. ماذا قدمنا..؟؟
لا أدعوك أخي لتبذل كل وقتك..
لا.. بل فضل وقتك.. ما زاد من وقتك اجعله للدعوة.. كانوا رحمهم الله يهبون كل أوقاتهم للدعوة.. وما فضل منها للدنيا..
• رغم كثرة عدد المصلين.. وإنصات الجميع..
أحسست أنه يحدثني وحدي.. ويستحث خطاي..
تركت محفظتي.. أخرجت يدي من جيبي..
وأنا أردد.. هذه دعوة التوحيد.. تحتاج إلى رجال..
حال المسلمين يرثى له...؟
خرجت من المسجد وعيني تبحث عن ذلك الشيخ..
وعندما صافحته.. كانت الكلمات تسبقني..
أين الطريق... سأذهب للدعوة.... فأنا طبيب...
قررت وبدون تردد... السير في طريق الدعوة إلى الله...
تركت رحلتي إلى كندا حيث رسالتي للدكتوراه..
قررت أن أؤجلها ستة أشهر..
• جريت في الدعوة... صعدت الجبال... وزرت السهول...
رأيت عبادة القبور... والطواف بها... والذبح على عتباتها .... رأيت البدع والخرافات...
ورأيت شباب النصارى تحت الشمس المحرقة... والأوبئة المنتشرة... يبذلون كل شيء في سبيل التنصير..!!!
مرت الأيام سريعة وأنا حركة لا تهدأ.. ونشاط لا يفتر...
ثم بعد نهاية المدة..
استخرت الله... أين أتجه؟ وأين أسير..؟؟
جلسة هادئة... وتفكير عميق...
وماذا بعد... لو أنهيت دراستي وأنا على حالي السابقة... وحصلت على شهادة الدكتوراه... ثم ماذا؟؟
تذكرت دعوة الله .. وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض ..
سارعت إلى جنة عرضها السموات والأرض
في كل يوم دعوة ترتفع إلى عنان السماء..
حيث يزرع الإيمان في القلوب... وتنار الطرق والدروب..
إنها رحلة الدعوة.. إنه سباق إلى الخير..
حيث تبليغ الرسالة والسير على منهج الرسول 
تألمت وشباب الإسلام أيامه تضيع.... وأوقاته تهدر
والمسلمون في أشد الحاجة إلى من يعلمهم ويفقههم
إنها دعوة للسير في طريق الدعوة
يُعلم الجاهل... وينبه الغافل....ويُعبد الله بما شرع
في صدر هذه الأمة سباق إلى الخير...
أين نحن منه؟ [/size][/color]