سمر الموحد
09-28-2006, 04:56 PM
[size=5][color=#008000]موضوع الرسالة: الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الخامسة
--------------------------------------------------------------------------------
بُـــدور
(6)
وحدثتـك الليـالي أن شيمتهــا تفريـق ما جَمعتـه فاسمـع الخبرا
وكن على حذرٍ منهـا فقد نصحتْ وانظر إليهـا ترى الآيات والعبـرا
فهل رأيت جديداً لم يعـد خَلِقــاً وهـل سمعت بصفوٍ لم يعـد كدراً
أقبلت ابنتي بدور.ز يسبها صوت كتغريد الطيور.. وما أن التفتُّ إليها فإذا بها تجري نحوي بسرعة رافعة يديها..
ضممتها بقوة.. وتحسست أطراف أصابتها تخترق جسمي.. أغمضت عينيّ.. حمدت الله.. نعمٌ كثيرةٌ..
زوج وطفلة.. وسعادة ورافة الظلال..
تذكرت تلك الأيام الأولى.. وأنا لازلت في المرحلة الثانوية.. ولكن بحكم القرابة وافق الأهل.. سنوات مضت من تلك اللحظة التي علمت بأن عادل تقدم لخطبتي
كانت قلوب الكثيرات تتمناه.. جمع بين حُسن الخلق والدين..
• بعد انتظار طويل تمّ عقد الزواج بعد أن نلت شهادتي الجامعية.. بدأنا نفكر في المستقبل..
ونحن في بداية الطريق.. والآمال كبيرة.. والطموحات كثيرة.. تم التعاقد معه للعمل في المملكة..
سافر وحده.. وبقي في غربته.. وأنا وحيدةٌ في غربتي.. بعد عام ونصف من بعد المسافات ومن الشوق والحنين
قدمت إليه وكلي خوفٌ من الغربة الجديدة.. وخوف من الوحدة.. كيف سأعيش بعيدة عن أهلي وأقاربي..
ولكن تذكرت أن هنا زوجاً ينتظرني.. ذا خلقٍ ودين ما حلمت به في منامي ويقظتي من صفات وجدتها فيه.. حُسن المعاشرة.. لينُ الجانب.. بشاشة الوجه.. صفاءُ النفس.. صدق الحديث.. منحني من الحنان أوفره ومن العطف أكثر جمعت بيننا الغربة.. ونمتْ في قلوبنا المودة
أشياؤه البسيطة.. أحببتها..
أحياناً يطلب كأساً من الماء أو الشاي.. يُتبعه الثناء والشكر عجبتُ من أدبه وحسن تعامله..
قلت له: لا تشكرني على خدمتك.. هذا واجبي نحوك.. ولكنه كان يغمرني بطيب أخلاقه..
حمدت الله وشكرته.. أن زوقني بزوج مسحَ دموع الغربة وعوضني فقد من أحب..
كان لي نعم الزوج والأب والأهل..
• وأنا في الشهور الأخيرة من حملي..
لم يرهقني بطلب.. ولم يأمرني بما لا أستطيع
بل كان يقدم لي سؤالاً قبل طلبه
هل أنت مرهقة..؟ هل أنت متعبة؟
كان يشاركني فَرحَه.. وحُلمه.. ويقول إن رزقنا الله طفلاً.. سنسميه بلالاً.. كان يحب بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• تمر الأيام الأخيرة للحمل.. وأضع طفلة كالبدر.. أسميناها بدور.. سألته يوماً وهو يداعبها..
هل أنت حزين لأنها أتت بدور ولم يأت بلال..؟
قال لي.ز إن هذا رزق الله (يهب لمن يشاءُ إناثاً ويهب لمن يشاءٌ الذكور) ومن رزقنا بدوراً.. يرزقنا بلالاً.. إن شاء الله
الحمد لله.. ظِلُّ السعادة يزيد.. وشجرة المحبة تكبر وتنمر.. ومن نِعم الله علينا.. قدومنا إلى هذه البلاد..
حيث دروس العلماء.. والمحاضرات والندوات.. وحتى مجتمع المدرسة مجتمع تناصح وخير.. أهدتني زميلة لي في المدرسة .. شريط.." أيتها المرأة الحجاب أو النار " لأحد العلماء...
بمجرد سماعي لهذا الشريط . هداني الله لغطاء وجهي .. كان زوجي يفرح بسماع أذان الفجر .. يهب من فراشه مسرعاً .. يوقظني .. ويخرج للصلاة .. وكانت وصيته لي وأنا ذاهبة للمدرسة أنت مربية الأجيال.. عليك بإخلاص..
وحذري الغيبة والنميمة .. إن كان في حديثك خيرٌ فتحدثي لا خير في حديث تندمين عليه يوم القيامة..
في ذهابنا وعودتنا.. غالباً نسمع شريطاً لأحد العلماء.. مرت الأيام حلوة جميلة.. كهبات نسيم معطرة..
• وفي يوم .. مثل بقية الأيام ..
ذهبت للمدرسة .. وعندما خرجت بعد صلاة الظهر من المدرسة .. رأيته على غير عادته .. لاحظت تعبه وإرهاقه .. قلت ماذا بك ..؟؟
قال .. مرهق وأحس بدوار في رأسي وعندما وصلنا إلى المنزل.. جهزت له طعام الغداء..
لم يستطع أن يتحرك من سريره.. أطعمته بيدي كررت عليه السؤال.. ما بك؟!
قال.. مرهق وأريد أن أرتاح..
تركته نائماً حتى موعد صلاة العصر.. أيقظته.. لم يستطع أن يستيقظ.. اتصلت بالجيران.. ذهبت معهم إلى المستشفى..
• وهناك.. كانت بداية النهاية..
أتى الطبيب بخطوات سريعة .. وقال لي .. حالة زوجك حرجة وهناك اشتباه في وجود التهاب على قشرة المخ..
ثم فصل الأمر ..
هناك نوعان .. نوع بسيط ونوع خطير
تقبلت الخبر بثبات .. وما كنت أظن أني كذلك ..
حتى الساعة الواحدة والنصف ليلاً وأنا أصلي وأدعو الله أن يشفيه.. ظل في غيبوبة ثلاثة أيام متواصلة من ظهر يوم الأربعاء... ومروراً بيومي الخميس والجمعة..
وفي صباح يوم السبت.. تحسنت حالته وأفاق من غيبوبته وبدأ يعرف الزائرين شكلاً.. وعندما اقتربت منه..
قلت له.. هل عرفتني يا عادل ؟
قال.. لا...
قلت له أتعرف بدور ؟
قال هي ابنتي..
أردفت بسرعة ..أنا أم بدور..
تبسم ضاحكاً وقال.. أنت زوجتي !!
بكيت بكاءً مراًّ ..
قبل ثلاثة أيام .. كيف كان حاله .. ذاكرته .. عقله .. سؤاله عني ..واليوم تبدلت الأحوال.. لا يعرف حتى أحب الناس إليه.. لا يعرف زوجته وابنته..!!!
طال بي التفكير.. ولم أنس ذكر الله .. وتنبهت على صوت الإمام يقرأ في الصلاة..وكأنه يخاطبني.. يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ..
وأنا أتابع الآيات تتابعت دموعي.. وعلمت أنني من أصحاب هذه الآية..
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ..
نحن هنا في غربة.. وبفقد الزوج.. في مصيبة.. من يذهب بي إليه في المستشفى.. من يأتي معي.. إنها غربة وأشد أنواعالغربة.. خاصة إذا كانت إمرأة ضعيفة مثلي.. وحيدة في بيتها.. لا أخ ولا أب.. ولا زوج..
في يوم الأحد كتمت حزني.. ذهبت مع أحد أصدقائه وزوجته.. اليوم سعادتي لا توصف.. وفرحي لا نهاية له..
عرفني زوجي.. وعرف كل من ذهب إليه
شد انتباه من حوله.. أن كل زائر ملتحٍ يبتسم له ويعرفه.. ولكنه لا يستطيع تذكر الأسماء.. أما أنا زوجته وأم أبنائه.. عرفني منذ أن رآني.. وناداني باسمي.. وابتسم في وجهي..
كأني لم أذق طعم السعادة إلا اليوم.. وكأني لم أسمع اسمي على لسانه إلا هذه المرة..
طلب مني أن يتوضأ للصلاة ويصلي ما فاته من الصلوات في الأيام الماضية.. هاجسه الأذان.. وحديثه الصلاة..
• في أحداث سريعة..
يوم الاثنين.. نقلوه إلى غرفة بمفرده لأن الفيروس انتشر في جسمه وزادت حرارته.. كان هذا اليوم.. يوماً مشهود في حياته..
كل يوم أزوره من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة.. ومن الساعة السابعة وحتى التاسعة.. وأراد الله هذا اليوم أن أبقى معه من الثالثة وحتى التاسعة..
وأنا أضع له الكمادات على وجهه ويديه ورجليه.. ولكن حرارته في ازدياد..
بدأت أقرأ القرآن بصوت يسمعه..
وعندما توقفت برهة عن القراءة لكي أضع الكمادات على قدميه..
قال لي.. افتحي جهاز التسجيل..
فرحت وقلت له.. تريد أن تسمع القرآن يا عادل..
قال.. طبعاً..
أكملت له التلاوة إلى أن أتى موعد الزيارة الثانية وحضر بعض زملائه وأصدقائه.. ومنهم صديق له ملتزم يحبه ويوده..
تبسم زوجي عندما شاهده.. ومد يده نحوه ليسلم عليه..
ولكن كانت فرحتي أكبر فمددت يدي بسرعة.. وصافحت زوجي.. وكان آخر سلام ومصافحة له..
ذهبت إلى منزلي فارغة القلب.. مهمومة النفس
أغالب الحزن.. وأسأل الله الثبات
مع تباشير فجر يوم الثلاثاء.. والمؤذن يرفع صوته بالآذان.. الله أكبر.. الله أكبر..
فتح عادل عينيه وجلس نصف جلسة على سريره.. ونظر بعينيه إلى السماء..
ثم رجع إلى الخلف وأغمض عينيه.. وصعدت روحه إلى بارئها..
كل إنسان له نهاية.. وقد حانت نهايته.. في هذا اليوم.. أصبح من أهل الدنيا وأمسى من أهل الآخرة
• في الصباح.. بحثت عمن يذهب بي إلى المستشفى وتطوع احد الجيران مع زوجته
شعرت أن زوجي ربما قد حدث له شيء من أثر الحرارة المستمرة..
ونحن بجوار المستشفى قال لي جارنا.. انتظري سأذهب وأسأل عن حالته ثم أعود..
رفعت طرفي إلى مكان غرفته.. أقلب الطرف.. ويعود كسيراً..
طالت غيبة جارنا.. أو حسبت أن الأمر كذلك..
لم أستطع الصبر.. وعندما هممت بدخول المستشفى.. فإذا به قادم مطأطئ الرأس..
قال بصوت خافت.. رحمه الله.. اصبري..
قلت له.. هل ذهبوا به من هنا..؟
قال.. لا..
قلت .. لابد أن أراه.. ,أصررت على ذلك ذهبنا نحن الثلاثة.. وأنا أردد إنا لله وإنا إليه راجعون
أسابق اللحظات.. واستحث الخطى.. دلفت إلى غرفته.. فإذا به ممدداً على السرير.. ومغطى برداء.. كشفت الغطاء..
فإذا بوجهه تعلوه السكينة والبشر.. لم أشعر إلا وأنا أقبله على جبينه..إلى جنة الخلد.. إلى الحور العين..
أخرجوني ولساني يردد إنا لله وإنا إليه راجعون
اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها...
الصدمة قوية.. والفجيعة كبيرة..
ولكني أحتسب مصيبتي..
دفناه هنا حيث الأرض التي أحب..
فرح حولي من المعزيات.. فالجميع يعدد محاسنه.. ومحافظته على الصلاة..
حمدت الله على هذه الخاتمة الطيبة
تفكرت في حال الدنيا.. إن أعطت أخذت.. وإن أفرحت أبكت.. وإن أسرت أحزنت..
ساعات قليلة.. بين فرحي وحزني.. بين ابتسامتي ودمعتي
• اليوم..
انقلبت إليَّ غربتي.. وعادت إليَّ وحدتي..
فقدت عادل.. ولكن بقي رب عادل..
لن يضيعني أنا.. وبدور..
وهو أرحم الراحمين..
العيد
(7)
بينما الفتى مرح الخطأ فرح بما *** يسعى له إذ قيل: قد مرض الفتى
إذ قيل: بات ليلة ما نامها *** إذ قيل أصبح مثخناً ما يُرتجى
إذ قيل: أصبح شاخصاً وموجهاً *** ومعللاً إذ قيل: أصبح قد مضى
--------------------
أيام العشر الأواخر من رمضان بدأت تنقضي.. والعيد قاب قوسين أو أدنى.
لا أعرف أين سنذهب وأنا انتظر صديق الطفولة.. ولكن كالعادة الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع..
وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني.. هل جهزت ثوباً جديداً ؟! .. لقد أقبل العيد!!..
قلت له.. لا..!! قال: ما رأيك نذهب للخياط الآن..
وأنا أهز رأسي متعجباً سألته.. بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد.. أين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام ؟؟!
لم يعجبه حديثي واستغرابي..
سابق الزمن بسيارته حتى توقفت أمام الخياط بصوت قوي يوحي بالعجلة والتسرع!!..
فاجأني صاحبي بالسلام الحار على الخياط فهو يعرفه منذ زمن وقال له نريد أن نفرح بالعيد.. ونلبس الجديد!!
ضحك الرجل وأجاب وهو يربت على كتفه !! كم بقي على العيد.. لماذا لم تأت منكراً؟!
أجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى.. سنزيد لك في الأجرة.. المهم أن ينتهي بعد غد!!
وأعاد الموعد مرة أخرى.. بعد غد..!!
وأنا أراقب المفاوضات الشاقة إذا بصاحبي يدفع جزء من الثمن وهو يردد.. ويؤكد.. بعد غد..!! لا تنسى الموعد..
• حتى قبيل الفجر.. ونحن لا هون.. ساهون.. غافلون..مضت الليلة كاملة لم نذكر الله فيها ولا مرة واحدة.. ربما أنها ليلة القدر..
حياة لا طعم فيها.. وسعادة لا مذاق لها..
ولجنا من المعاصي كل باب.. وهتكنا منها كل حجاب... وحسينا الأمر دون حساب.. إظهار للسرور والسعادة.. وضحكات تملأ المكان.. ولكن في القلب هم وغم.. والنفس تلحق بها حسرات ويحيطها نكد..
افترقنا قبيل الفجر.. يجمعنا الليل والسهر والعبث.. نلتقي على المعاصي وتجمعنا الذنوب.. نوم طويل.. يمتد من الفجر حتى العصر.. صيام بلا صلاة.. وصلاة بلا قلب..
ساعة الصيام التي استيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام.. أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة.. وبقراءة الصحف والمجلات..
وأنا أنتظر موعد أذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء.. وصوته متغير وقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض..
قلت.... لا.. مساء البارحة كان بصحة وعافية..
قال.. إنه مريض..
انتهت المكالمة.. والأمر لا يعني لي شيئاً.. سوى معلومة غير صحيحة.. والمؤذن يرفع أذان العشاء.. فإذا بالهاتف يناديني.. إنه الشقيق الأكبر لعبد الرحمن...
قلت في نفسي ماذا يريد؟. هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن؟؟!!
أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا أو سقطة من سقطاتنا!!..
ولكن أتى صوته منهكاً مجهداً.. وعبراته تقطع الحديث... وأخبرني بالخبر.. مات عبد الرحمن..
بُهِتُّ ولم أصدق.. لا أزال أراه أمامي.. وصوته يرن في أذني كيف مات؟؟!!
وهو عائد إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة ثم حمل إلى المستشفى.. ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم..
أذني لا تصدق ما تسمع.. لا أزال أراه أمامي..نعم أمامي بل اليوم موعدنا إلى السوق الفلاني.. بل وغداً موعد ثياب العيد..
ولكنه أيقظني من غفوتي وهز جوانحي وأزال غشاوة على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً.. أخبر زملائك!! انتهى الحديث..
تأكدت أن الأمر جدُّ لا هزل فيه.. وأن أيام عبد الرحمن انقضت آمنت بأن الأمر حق.. وأن الموت حق.. وأن غداً موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط!! لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد.. تسمرت في مكاني.. وأُصبت بتشتت في ذهني.. وبدوار في رأسي.. قررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الأمر.. وأستوضح الفاجعة..
وعندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل.. أخرجته.. فانبعث صوت إمام الحرم من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته.. أنصت بكل جوارحي.. وأرهفت سمعي كأن الدنيا انقلبت.. والقيامة قامت.. والناس تغيرت.. أوقفت سيارتي جانباً أستمع.. وأستمع.. وكأني أول مرة أسمع القرآن..
وعندما بدأ دعاء القنوت.. كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام.. رفعت يدي تستقبل تلك الدموع.. وقلبي يردد صدى تلك العبرات.. وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع..
أعلنت توبة صادقة.. بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة..
من كرهتهم.. هم أحب الناس إليَّ.. من تطاولت عليهم.. هم أرفع الناس في عيني.. من استهزأت بهم.. هم أكرم الناس عندي... كنت على شفا جرف هار.. ولكن الله رحمني..
بعد فترة من الزمن.. هدأت نفسي.. أطلت سعادة لا أعرفها.. انشراح في القلب..
وعلى عيني سكينة ووقار..
• فاجأت الخياط وسألته عن ثوبي.. سأل عن عبد الرحمن.. قلت له مات..
أعاد الاسم مرة أخرى.. قلت له.. مات.. بدأ يصف لي الرجل وسيارته وحديثه.. قلت نعم هو.. لقد مات وعندما أراني ثوبه بدأت أسترجع الذاكرة.. هل حقاً مات؟؟!!
ثوبي بجوار ثوبه.. ومقعدي في السيارة بجوار مقعده.. ولكن بقي لي أجل وعمر.. لعلي استدرك ما فات..
حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة ولكن.. بقي أخ لي هناك.. لا يزال على عينيه غشاوة ويعلو قلبه ران المعصية.. هل أتركه؟!.. شمرت عن ساعدي.. لن أتركه..
أمامه نارٌ وعذاب.. وأهوال وصعاب.. لن أتركه.. وقد هداني الله..
هنا كتاب.. وهناك شريط..
وبيني وبينه نصيحة صادقة .
إلا باب السماء
(8)
قال بعض السلف: من الذنوب ذنوبٌ لا يُكفرها إلا الغم بالعيال.
------------------------
قال محدثي يؤكد ذلك:
إنها من صميم الواقع.. ليست من نسج الخيال.. ولا أسطورة من الأساطير.. أنا الأب.. وطفلي محور الحديث بعد انقضاء شهر رمضان ومع إطلالة العيد.ز لاحظت أن ابني عبد الله صاحب السنتين والنصف متعب ودرجة حرارته مرتفعة.. اختفت الابتسامة.. وذبلت النضارة.. ولم يعد صاحب الحركة والشقاوة.. أصبه الضعف فجأة.. نظراته زائغة.. وحديثه متقطع.. يبحث عن مكان ينزوي فيه..
فزعنا إلى الكمادات والمهدئات ريثما نبحث عن طبيب.. لكن الحرارة عادت مرة أخرى في الارتفاع.. ليس هناك خيار.. ولا وقت للتشاور..
تبادر إلى ذهني جميع المستشفيات.. ولكن نحن في إجازة.. قررت الذهاب به للطوارئ.. قلت لوالدته وأنا أحمله بي يدي.. لا تخافي.. كل الأطفال هكذا.. وتابعت حديثي لأطمئنها قبل أن أغلق الباب الطفل سريع المرض.. سريع الشفاء.. هدأي من روعك.. واتكلي على الله..
• بعد سير متقطع من شدة الزحام
تبهرك الأنوار في الخارج
ثم تدلف إلى عالم آخر وأنت تصعد عتبات المستشفى..
والتسلط فيه.. الإنسان هنا ضعيفٌ.ز ضعيف.. هذا منكس الرأس.. وذاك ممسك بكلتا يديه على بطنه.. وصمت أنين تسمعه يقطع الصمت ولا ترى صاحبه
أما الجرحى ونزف الدماء.. تراه بين حين وآخر يسبقه صوت سيارة الإسعاف في الخارج.. ثم لحظات وتقع عينك عليه..
لا تتذكر أن هناك شيئاً اسمه الصحة والعافية إلا إذا أتيت هنا..
في زاوية بعيدة.. صاحب الثمانين عاماً.. رجل مكتمل العمر تراه فقد كل شيء!!
النظرات.. زائغة.. يمنة ويسرة.. تبحث عن طبيب.. عن دواء.. لا تُحس نعمة العافية إلا عندما ترى وتُشاهد.. ربما تجد صحيحاً معافى يسير ببط وكأنه يقفز ويجتاز البحار في عيون المرضى..
هانت حالة ابني عندما رأيت الأم يعتصر الجميع..
صُرف لنا أشكال وألوان من الأدوية.. تحسست طعم العافية وأنا أخرج من المستشفى..
• في اليوم الأول تحسنت صحته قليلاً..
ولكن بعد نفاد الدواء عادت الحرارة.. عُدنا إلى الطبيب.. لمح في عينيّ وأنا أشرح حالة ابني الاضطراب والقلق.. طمأنني.. لا تخف.. وصرف لنا نفس الأدوية السابق!!
نفرح بالدواء عندما يُصرف.. ولكن الحالة تعاوده..
تكررت المراجعة خمسة أسابيع متتالية ولكن بدون نتيجة..
ساورني الخوف.. ووالدته أكثر مني.. أصبح حديثنا هو.. بدأ الطفل يضعف وتقل شهيته للأكل.. يمشي ببطء ويحس بوجع في عظامه ولاحظت والدته اصفراراً في لونه..
ذهبت به إلى مستشفى خاص وفحصه استشاري.. سأل أسئلة كثيرة.. وقال بعد محاورة طويلة:
هذه الحالة لا تحتاج لمجرد صرف الأدوية والفحص السريع.. لابدّ من تنويم وتحليل شامل.. أدركت أن في الأمر شيئاً وأن هناك أياماً طويلاً تنتظرنا.ز قَبلتُ جبينه وحملته إلى قسم التنويم.. بدأت تنهال عليه الحقن بأشكال وألوان مختلفة وهو يستنجد بي.. لا أملك إلا أن أُمسكه بقوة وأسلمه لتلك الحقن..
علا صوته.. وارتفع أنينه.. وسالت دموعه بعضها يسقط على يدي وأنا ممسك به..
تخاطبني تلك الدموع.. ما هذه القسوة يا أبي..؟
شيء في صدري يضطرم.. وبين أحشائي قلب يذوب..
دموعك يا بني.. ليست إلا نقطة في بحر آلامي..
يا بني.. أنا لست تمثالاً ولا قلبي حجر..
نكمل ان شاء الله
--------------------------------------------------------------------------------
بُـــدور
(6)
وحدثتـك الليـالي أن شيمتهــا تفريـق ما جَمعتـه فاسمـع الخبرا
وكن على حذرٍ منهـا فقد نصحتْ وانظر إليهـا ترى الآيات والعبـرا
فهل رأيت جديداً لم يعـد خَلِقــاً وهـل سمعت بصفوٍ لم يعـد كدراً
أقبلت ابنتي بدور.ز يسبها صوت كتغريد الطيور.. وما أن التفتُّ إليها فإذا بها تجري نحوي بسرعة رافعة يديها..
ضممتها بقوة.. وتحسست أطراف أصابتها تخترق جسمي.. أغمضت عينيّ.. حمدت الله.. نعمٌ كثيرةٌ..
زوج وطفلة.. وسعادة ورافة الظلال..
تذكرت تلك الأيام الأولى.. وأنا لازلت في المرحلة الثانوية.. ولكن بحكم القرابة وافق الأهل.. سنوات مضت من تلك اللحظة التي علمت بأن عادل تقدم لخطبتي
كانت قلوب الكثيرات تتمناه.. جمع بين حُسن الخلق والدين..
• بعد انتظار طويل تمّ عقد الزواج بعد أن نلت شهادتي الجامعية.. بدأنا نفكر في المستقبل..
ونحن في بداية الطريق.. والآمال كبيرة.. والطموحات كثيرة.. تم التعاقد معه للعمل في المملكة..
سافر وحده.. وبقي في غربته.. وأنا وحيدةٌ في غربتي.. بعد عام ونصف من بعد المسافات ومن الشوق والحنين
قدمت إليه وكلي خوفٌ من الغربة الجديدة.. وخوف من الوحدة.. كيف سأعيش بعيدة عن أهلي وأقاربي..
ولكن تذكرت أن هنا زوجاً ينتظرني.. ذا خلقٍ ودين ما حلمت به في منامي ويقظتي من صفات وجدتها فيه.. حُسن المعاشرة.. لينُ الجانب.. بشاشة الوجه.. صفاءُ النفس.. صدق الحديث.. منحني من الحنان أوفره ومن العطف أكثر جمعت بيننا الغربة.. ونمتْ في قلوبنا المودة
أشياؤه البسيطة.. أحببتها..
أحياناً يطلب كأساً من الماء أو الشاي.. يُتبعه الثناء والشكر عجبتُ من أدبه وحسن تعامله..
قلت له: لا تشكرني على خدمتك.. هذا واجبي نحوك.. ولكنه كان يغمرني بطيب أخلاقه..
حمدت الله وشكرته.. أن زوقني بزوج مسحَ دموع الغربة وعوضني فقد من أحب..
كان لي نعم الزوج والأب والأهل..
• وأنا في الشهور الأخيرة من حملي..
لم يرهقني بطلب.. ولم يأمرني بما لا أستطيع
بل كان يقدم لي سؤالاً قبل طلبه
هل أنت مرهقة..؟ هل أنت متعبة؟
كان يشاركني فَرحَه.. وحُلمه.. ويقول إن رزقنا الله طفلاً.. سنسميه بلالاً.. كان يحب بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• تمر الأيام الأخيرة للحمل.. وأضع طفلة كالبدر.. أسميناها بدور.. سألته يوماً وهو يداعبها..
هل أنت حزين لأنها أتت بدور ولم يأت بلال..؟
قال لي.ز إن هذا رزق الله (يهب لمن يشاءُ إناثاً ويهب لمن يشاءٌ الذكور) ومن رزقنا بدوراً.. يرزقنا بلالاً.. إن شاء الله
الحمد لله.. ظِلُّ السعادة يزيد.. وشجرة المحبة تكبر وتنمر.. ومن نِعم الله علينا.. قدومنا إلى هذه البلاد..
حيث دروس العلماء.. والمحاضرات والندوات.. وحتى مجتمع المدرسة مجتمع تناصح وخير.. أهدتني زميلة لي في المدرسة .. شريط.." أيتها المرأة الحجاب أو النار " لأحد العلماء...
بمجرد سماعي لهذا الشريط . هداني الله لغطاء وجهي .. كان زوجي يفرح بسماع أذان الفجر .. يهب من فراشه مسرعاً .. يوقظني .. ويخرج للصلاة .. وكانت وصيته لي وأنا ذاهبة للمدرسة أنت مربية الأجيال.. عليك بإخلاص..
وحذري الغيبة والنميمة .. إن كان في حديثك خيرٌ فتحدثي لا خير في حديث تندمين عليه يوم القيامة..
في ذهابنا وعودتنا.. غالباً نسمع شريطاً لأحد العلماء.. مرت الأيام حلوة جميلة.. كهبات نسيم معطرة..
• وفي يوم .. مثل بقية الأيام ..
ذهبت للمدرسة .. وعندما خرجت بعد صلاة الظهر من المدرسة .. رأيته على غير عادته .. لاحظت تعبه وإرهاقه .. قلت ماذا بك ..؟؟
قال .. مرهق وأحس بدوار في رأسي وعندما وصلنا إلى المنزل.. جهزت له طعام الغداء..
لم يستطع أن يتحرك من سريره.. أطعمته بيدي كررت عليه السؤال.. ما بك؟!
قال.. مرهق وأريد أن أرتاح..
تركته نائماً حتى موعد صلاة العصر.. أيقظته.. لم يستطع أن يستيقظ.. اتصلت بالجيران.. ذهبت معهم إلى المستشفى..
• وهناك.. كانت بداية النهاية..
أتى الطبيب بخطوات سريعة .. وقال لي .. حالة زوجك حرجة وهناك اشتباه في وجود التهاب على قشرة المخ..
ثم فصل الأمر ..
هناك نوعان .. نوع بسيط ونوع خطير
تقبلت الخبر بثبات .. وما كنت أظن أني كذلك ..
حتى الساعة الواحدة والنصف ليلاً وأنا أصلي وأدعو الله أن يشفيه.. ظل في غيبوبة ثلاثة أيام متواصلة من ظهر يوم الأربعاء... ومروراً بيومي الخميس والجمعة..
وفي صباح يوم السبت.. تحسنت حالته وأفاق من غيبوبته وبدأ يعرف الزائرين شكلاً.. وعندما اقتربت منه..
قلت له.. هل عرفتني يا عادل ؟
قال.. لا...
قلت له أتعرف بدور ؟
قال هي ابنتي..
أردفت بسرعة ..أنا أم بدور..
تبسم ضاحكاً وقال.. أنت زوجتي !!
بكيت بكاءً مراًّ ..
قبل ثلاثة أيام .. كيف كان حاله .. ذاكرته .. عقله .. سؤاله عني ..واليوم تبدلت الأحوال.. لا يعرف حتى أحب الناس إليه.. لا يعرف زوجته وابنته..!!!
طال بي التفكير.. ولم أنس ذكر الله .. وتنبهت على صوت الإمام يقرأ في الصلاة..وكأنه يخاطبني.. يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ..
وأنا أتابع الآيات تتابعت دموعي.. وعلمت أنني من أصحاب هذه الآية..
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ..
نحن هنا في غربة.. وبفقد الزوج.. في مصيبة.. من يذهب بي إليه في المستشفى.. من يأتي معي.. إنها غربة وأشد أنواعالغربة.. خاصة إذا كانت إمرأة ضعيفة مثلي.. وحيدة في بيتها.. لا أخ ولا أب.. ولا زوج..
في يوم الأحد كتمت حزني.. ذهبت مع أحد أصدقائه وزوجته.. اليوم سعادتي لا توصف.. وفرحي لا نهاية له..
عرفني زوجي.. وعرف كل من ذهب إليه
شد انتباه من حوله.. أن كل زائر ملتحٍ يبتسم له ويعرفه.. ولكنه لا يستطيع تذكر الأسماء.. أما أنا زوجته وأم أبنائه.. عرفني منذ أن رآني.. وناداني باسمي.. وابتسم في وجهي..
كأني لم أذق طعم السعادة إلا اليوم.. وكأني لم أسمع اسمي على لسانه إلا هذه المرة..
طلب مني أن يتوضأ للصلاة ويصلي ما فاته من الصلوات في الأيام الماضية.. هاجسه الأذان.. وحديثه الصلاة..
• في أحداث سريعة..
يوم الاثنين.. نقلوه إلى غرفة بمفرده لأن الفيروس انتشر في جسمه وزادت حرارته.. كان هذا اليوم.. يوماً مشهود في حياته..
كل يوم أزوره من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة.. ومن الساعة السابعة وحتى التاسعة.. وأراد الله هذا اليوم أن أبقى معه من الثالثة وحتى التاسعة..
وأنا أضع له الكمادات على وجهه ويديه ورجليه.. ولكن حرارته في ازدياد..
بدأت أقرأ القرآن بصوت يسمعه..
وعندما توقفت برهة عن القراءة لكي أضع الكمادات على قدميه..
قال لي.. افتحي جهاز التسجيل..
فرحت وقلت له.. تريد أن تسمع القرآن يا عادل..
قال.. طبعاً..
أكملت له التلاوة إلى أن أتى موعد الزيارة الثانية وحضر بعض زملائه وأصدقائه.. ومنهم صديق له ملتزم يحبه ويوده..
تبسم زوجي عندما شاهده.. ومد يده نحوه ليسلم عليه..
ولكن كانت فرحتي أكبر فمددت يدي بسرعة.. وصافحت زوجي.. وكان آخر سلام ومصافحة له..
ذهبت إلى منزلي فارغة القلب.. مهمومة النفس
أغالب الحزن.. وأسأل الله الثبات
مع تباشير فجر يوم الثلاثاء.. والمؤذن يرفع صوته بالآذان.. الله أكبر.. الله أكبر..
فتح عادل عينيه وجلس نصف جلسة على سريره.. ونظر بعينيه إلى السماء..
ثم رجع إلى الخلف وأغمض عينيه.. وصعدت روحه إلى بارئها..
كل إنسان له نهاية.. وقد حانت نهايته.. في هذا اليوم.. أصبح من أهل الدنيا وأمسى من أهل الآخرة
• في الصباح.. بحثت عمن يذهب بي إلى المستشفى وتطوع احد الجيران مع زوجته
شعرت أن زوجي ربما قد حدث له شيء من أثر الحرارة المستمرة..
ونحن بجوار المستشفى قال لي جارنا.. انتظري سأذهب وأسأل عن حالته ثم أعود..
رفعت طرفي إلى مكان غرفته.. أقلب الطرف.. ويعود كسيراً..
طالت غيبة جارنا.. أو حسبت أن الأمر كذلك..
لم أستطع الصبر.. وعندما هممت بدخول المستشفى.. فإذا به قادم مطأطئ الرأس..
قال بصوت خافت.. رحمه الله.. اصبري..
قلت له.. هل ذهبوا به من هنا..؟
قال.. لا..
قلت .. لابد أن أراه.. ,أصررت على ذلك ذهبنا نحن الثلاثة.. وأنا أردد إنا لله وإنا إليه راجعون
أسابق اللحظات.. واستحث الخطى.. دلفت إلى غرفته.. فإذا به ممدداً على السرير.. ومغطى برداء.. كشفت الغطاء..
فإذا بوجهه تعلوه السكينة والبشر.. لم أشعر إلا وأنا أقبله على جبينه..إلى جنة الخلد.. إلى الحور العين..
أخرجوني ولساني يردد إنا لله وإنا إليه راجعون
اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها...
الصدمة قوية.. والفجيعة كبيرة..
ولكني أحتسب مصيبتي..
دفناه هنا حيث الأرض التي أحب..
فرح حولي من المعزيات.. فالجميع يعدد محاسنه.. ومحافظته على الصلاة..
حمدت الله على هذه الخاتمة الطيبة
تفكرت في حال الدنيا.. إن أعطت أخذت.. وإن أفرحت أبكت.. وإن أسرت أحزنت..
ساعات قليلة.. بين فرحي وحزني.. بين ابتسامتي ودمعتي
• اليوم..
انقلبت إليَّ غربتي.. وعادت إليَّ وحدتي..
فقدت عادل.. ولكن بقي رب عادل..
لن يضيعني أنا.. وبدور..
وهو أرحم الراحمين..
العيد
(7)
بينما الفتى مرح الخطأ فرح بما *** يسعى له إذ قيل: قد مرض الفتى
إذ قيل: بات ليلة ما نامها *** إذ قيل أصبح مثخناً ما يُرتجى
إذ قيل: أصبح شاخصاً وموجهاً *** ومعللاً إذ قيل: أصبح قد مضى
--------------------
أيام العشر الأواخر من رمضان بدأت تنقضي.. والعيد قاب قوسين أو أدنى.
لا أعرف أين سنذهب وأنا انتظر صديق الطفولة.. ولكن كالعادة الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع..
وحين استقريت على مقعد السيارة بجوار عبد الرحمن سألني.. هل جهزت ثوباً جديداً ؟! .. لقد أقبل العيد!!..
قلت له.. لا..!! قال: ما رأيك نذهب للخياط الآن..
وأنا أهز رأسي متعجباً سألته.. بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد.. أين نجد الخياط الذي يسابق العيد ويختصر الأيام ؟؟!
لم يعجبه حديثي واستغرابي..
سابق الزمن بسيارته حتى توقفت أمام الخياط بصوت قوي يوحي بالعجلة والتسرع!!..
فاجأني صاحبي بالسلام الحار على الخياط فهو يعرفه منذ زمن وقال له نريد أن نفرح بالعيد.. ونلبس الجديد!!
ضحك الرجل وأجاب وهو يربت على كتفه !! كم بقي على العيد.. لماذا لم تأت منكراً؟!
أجاب عبد الرحمن وهو يهز يده بحركة لها معنى.. سنزيد لك في الأجرة.. المهم أن ينتهي بعد غد!!
وأعاد الموعد مرة أخرى.. بعد غد..!!
وأنا أراقب المفاوضات الشاقة إذا بصاحبي يدفع جزء من الثمن وهو يردد.. ويؤكد.. بعد غد..!! لا تنسى الموعد..
• حتى قبيل الفجر.. ونحن لا هون.. ساهون.. غافلون..مضت الليلة كاملة لم نذكر الله فيها ولا مرة واحدة.. ربما أنها ليلة القدر..
حياة لا طعم فيها.. وسعادة لا مذاق لها..
ولجنا من المعاصي كل باب.. وهتكنا منها كل حجاب... وحسينا الأمر دون حساب.. إظهار للسرور والسعادة.. وضحكات تملأ المكان.. ولكن في القلب هم وغم.. والنفس تلحق بها حسرات ويحيطها نكد..
افترقنا قبيل الفجر.. يجمعنا الليل والسهر والعبث.. نلتقي على المعاصي وتجمعنا الذنوب.. نوم طويل.. يمتد من الفجر حتى العصر.. صيام بلا صلاة.. وصلاة بلا قلب..
ساعة الصيام التي استيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام.. أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة.. وبقراءة الصحف والمجلات..
وأنا أنتظر موعد أذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء.. وصوته متغير وقال: أما علمت أن عبد الرحمن مريض..
قلت.... لا.. مساء البارحة كان بصحة وعافية..
قال.. إنه مريض..
انتهت المكالمة.. والأمر لا يعني لي شيئاً.. سوى معلومة غير صحيحة.. والمؤذن يرفع أذان العشاء.. فإذا بالهاتف يناديني.. إنه الشقيق الأكبر لعبد الرحمن...
قلت في نفسي ماذا يريد؟. هل سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن؟؟!!
أو أن أحداً أخبره بزلة من زلاتنا أو سقطة من سقطاتنا!!..
ولكن أتى صوته منهكاً مجهداً.. وعبراته تقطع الحديث... وأخبرني بالخبر.. مات عبد الرحمن..
بُهِتُّ ولم أصدق.. لا أزال أراه أمامي.. وصوته يرن في أذني كيف مات؟؟!!
وهو عائد إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة ثم حمل إلى المستشفى.. ولكنه فارق الحياة ظهر هذا اليوم..
أذني لا تصدق ما تسمع.. لا أزال أراه أمامي..نعم أمامي بل اليوم موعدنا إلى السوق الفلاني.. بل وغداً موعد ثياب العيد..
ولكنه أيقظني من غفوتي وهز جوانحي وأزال غشاوة على عيني عندما قال: سنصلي عليه الظهر غداً.. أخبر زملائك!! انتهى الحديث..
تأكدت أن الأمر جدُّ لا هزل فيه.. وأن أيام عبد الرحمن انقضت آمنت بأن الأمر حق.. وأن الموت حق.. وأن غداً موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط!! لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد.. تسمرت في مكاني.. وأُصبت بتشتت في ذهني.. وبدوار في رأسي.. قررت أن أذهب إلى منزل عبد الرحمن لأستطلع الأمر.. وأستوضح الفاجعة..
وعندما ركبت سيارتي فإذا شريط غناء في جهاز التسجيل.. أخرجته.. فانبعث صوت إمام الحرم من المذياع يعطر المكان بخشوعه وحلاوته.. أنصت بكل جوارحي.. وأرهفت سمعي كأن الدنيا انقلبت.. والقيامة قامت.. والناس تغيرت.. أوقفت سيارتي جانباً أستمع.. وأستمع.. وكأني أول مرة أسمع القرآن..
وعندما بدأ دعاء القنوت.. كانت دمعتي أسرع من صوت الإمام.. رفعت يدي تستقبل تلك الدموع.. وقلبي يردد صدى تلك العبرات.. وبارقة أمل أقبلت خلف تلك الدموع..
أعلنت توبة صادقة.. بدأتها بصحبة طيبة ورفقة صالحة..
من كرهتهم.. هم أحب الناس إليَّ.. من تطاولت عليهم.. هم أرفع الناس في عيني.. من استهزأت بهم.. هم أكرم الناس عندي... كنت على شفا جرف هار.. ولكن الله رحمني..
بعد فترة من الزمن.. هدأت نفسي.. أطلت سعادة لا أعرفها.. انشراح في القلب..
وعلى عيني سكينة ووقار..
• فاجأت الخياط وسألته عن ثوبي.. سأل عن عبد الرحمن.. قلت له مات..
أعاد الاسم مرة أخرى.. قلت له.. مات.. بدأ يصف لي الرجل وسيارته وحديثه.. قلت نعم هو.. لقد مات وعندما أراني ثوبه بدأت أسترجع الذاكرة.. هل حقاً مات؟؟!!
ثوبي بجوار ثوبه.. ومقعدي في السيارة بجوار مقعده.. ولكن بقي لي أجل وعمر.. لعلي استدرك ما فات..
حمدت الله على التوبة والرجوع والأوبة ولكن.. بقي أخ لي هناك.. لا يزال على عينيه غشاوة ويعلو قلبه ران المعصية.. هل أتركه؟!.. شمرت عن ساعدي.. لن أتركه..
أمامه نارٌ وعذاب.. وأهوال وصعاب.. لن أتركه.. وقد هداني الله..
هنا كتاب.. وهناك شريط..
وبيني وبينه نصيحة صادقة .
إلا باب السماء
(8)
قال بعض السلف: من الذنوب ذنوبٌ لا يُكفرها إلا الغم بالعيال.
------------------------
قال محدثي يؤكد ذلك:
إنها من صميم الواقع.. ليست من نسج الخيال.. ولا أسطورة من الأساطير.. أنا الأب.. وطفلي محور الحديث بعد انقضاء شهر رمضان ومع إطلالة العيد.ز لاحظت أن ابني عبد الله صاحب السنتين والنصف متعب ودرجة حرارته مرتفعة.. اختفت الابتسامة.. وذبلت النضارة.. ولم يعد صاحب الحركة والشقاوة.. أصبه الضعف فجأة.. نظراته زائغة.. وحديثه متقطع.. يبحث عن مكان ينزوي فيه..
فزعنا إلى الكمادات والمهدئات ريثما نبحث عن طبيب.. لكن الحرارة عادت مرة أخرى في الارتفاع.. ليس هناك خيار.. ولا وقت للتشاور..
تبادر إلى ذهني جميع المستشفيات.. ولكن نحن في إجازة.. قررت الذهاب به للطوارئ.. قلت لوالدته وأنا أحمله بي يدي.. لا تخافي.. كل الأطفال هكذا.. وتابعت حديثي لأطمئنها قبل أن أغلق الباب الطفل سريع المرض.. سريع الشفاء.. هدأي من روعك.. واتكلي على الله..
• بعد سير متقطع من شدة الزحام
تبهرك الأنوار في الخارج
ثم تدلف إلى عالم آخر وأنت تصعد عتبات المستشفى..
والتسلط فيه.. الإنسان هنا ضعيفٌ.ز ضعيف.. هذا منكس الرأس.. وذاك ممسك بكلتا يديه على بطنه.. وصمت أنين تسمعه يقطع الصمت ولا ترى صاحبه
أما الجرحى ونزف الدماء.. تراه بين حين وآخر يسبقه صوت سيارة الإسعاف في الخارج.. ثم لحظات وتقع عينك عليه..
لا تتذكر أن هناك شيئاً اسمه الصحة والعافية إلا إذا أتيت هنا..
في زاوية بعيدة.. صاحب الثمانين عاماً.. رجل مكتمل العمر تراه فقد كل شيء!!
النظرات.. زائغة.. يمنة ويسرة.. تبحث عن طبيب.. عن دواء.. لا تُحس نعمة العافية إلا عندما ترى وتُشاهد.. ربما تجد صحيحاً معافى يسير ببط وكأنه يقفز ويجتاز البحار في عيون المرضى..
هانت حالة ابني عندما رأيت الأم يعتصر الجميع..
صُرف لنا أشكال وألوان من الأدوية.. تحسست طعم العافية وأنا أخرج من المستشفى..
• في اليوم الأول تحسنت صحته قليلاً..
ولكن بعد نفاد الدواء عادت الحرارة.. عُدنا إلى الطبيب.. لمح في عينيّ وأنا أشرح حالة ابني الاضطراب والقلق.. طمأنني.. لا تخف.. وصرف لنا نفس الأدوية السابق!!
نفرح بالدواء عندما يُصرف.. ولكن الحالة تعاوده..
تكررت المراجعة خمسة أسابيع متتالية ولكن بدون نتيجة..
ساورني الخوف.. ووالدته أكثر مني.. أصبح حديثنا هو.. بدأ الطفل يضعف وتقل شهيته للأكل.. يمشي ببطء ويحس بوجع في عظامه ولاحظت والدته اصفراراً في لونه..
ذهبت به إلى مستشفى خاص وفحصه استشاري.. سأل أسئلة كثيرة.. وقال بعد محاورة طويلة:
هذه الحالة لا تحتاج لمجرد صرف الأدوية والفحص السريع.. لابدّ من تنويم وتحليل شامل.. أدركت أن في الأمر شيئاً وأن هناك أياماً طويلاً تنتظرنا.ز قَبلتُ جبينه وحملته إلى قسم التنويم.. بدأت تنهال عليه الحقن بأشكال وألوان مختلفة وهو يستنجد بي.. لا أملك إلا أن أُمسكه بقوة وأسلمه لتلك الحقن..
علا صوته.. وارتفع أنينه.. وسالت دموعه بعضها يسقط على يدي وأنا ممسك به..
تخاطبني تلك الدموع.. ما هذه القسوة يا أبي..؟
شيء في صدري يضطرم.. وبين أحشائي قلب يذوب..
دموعك يا بني.. ليست إلا نقطة في بحر آلامي..
يا بني.. أنا لست تمثالاً ولا قلبي حجر..
نكمل ان شاء الله