سمر الموحد
09-28-2006, 05:02 PM
موضوع الرسالة: الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الرابعة
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الوداع
(1)
قال الحسن: إني لأستحي من ربي عزّ وجلّ أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته.. فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه.
-----------------
لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..
هرول ملبياً النداء..
قال وهو يستحثني لأداء فريضة الحج
ماذا تنتظرين!؟ وإلى متى تؤجلين!؟
إنها فرصة واحدة كل عام.. وهذا ركنٌ من أركان الإسلام.. ما عذركِ في التأخير..
الآن السبل مُيسرة والمواصلات سهلة.. والأمن متوفرة..
تباطأت أبحث عن عذر..
قال.. أما سمعتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (.. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) إنه أجرٌ وثوابٌ يملأ القلب همةً ونشاطاً.. وسروراً وحبوراً..
أقبلت الأعمال كالجبال.. وسارت نحوي الأعذار..
عاد صوته مرة أخرى وبحماس أكثر وهو يقول..
فرصةٌ لا تعوض.. لا تترددي..
قلت له.ز هذا قرار سريع.. انتظر.. دعني أفكر.. ثم مع من نذهب؟! وكيف نذهب؟! وأين نسكن؟!
وانطلقت الأسئلة كسيل جارف.. ماذا نفعل.. هناك زحام.. وهذا العام الحر شديد.. والحجاج كثير؟!
فاجأني بصوته الهادئ.. الأمر مُيسر.. يُسهل الله كل عسي.
• سهل الله الأمر..
الأعمال التي كانت أمام عيني كالجبال تلاشت.. والأعذار المتلاطمة كالأمواج اختفت.. قررت مرافقته في رحلة الحج..
وهل هناك أجمل من رفقة زوج في سفر طاعة..
مضت ثلاث سنوات على زواجي.. ثلاث سنوات كان عوناً لي وكنت عوناً له على الطاعة. إذا نسي ذكرته وإذا قصرت نبهني.. لازلت أتذكر الأيام الأولى لزواجي.. وأصابع يده تلتقط مقصاً صغيراً.. سألته.. لماذا هذا المقص؟!
قال وهو يخفي ابتسامته.. بعض زوائد لحيت أقصها!!
سألته باستغراب.. لماذا هذا تقصها؟! قال.. أتجمل لكِ!!
تتجمل لي بمعصية الله؟
نِعمَ الرجل.. امتثال سريع وتوبة من قريب..
أعادت يده المقص إلى مكانه ولم تعد له مرة ثانية منذ ذلك اليوم..
في أيام منى.. كطفلة صغيرة تُمسك بأبيها خائفة مذعورة لم تترك يدي معصمه ولا كفه..
أستمد حناناً لم أره في حياتي.. ويؤنسني صوته وهو يذكر الله.. المخيم يعج بالحجاج نساءً ورجالاً..
سبل الراحة متوفرة.. وكل يوم بعد صلاة المغرب محاضرة.. ثلاثة أيام مرت مليئة بالدعاء والاستغفار..
هنا لا فرق بين الليل والنهار.. لا تسمع إلا أصوات الحجيج وجبال مكة وأديتها تردد صدى تلك التكبيرات والتلبيات..
• في منتصف الليل.. الأصوات تتعالى.. والتكبيرات تتوالى قال لي.. سنطوف ونسعى هذه الليلة..
أظهر حرصه الشديد عليّ عند الطواف.. فأنا حامل
تعالِ من هنا.. لا تتعبي نفسك.. لا تجهدي جسمك دعوت الله وأنا أطوف بالكعبة أن يرزقني طفلاً صالحاً..
سرت مع الزمن.. ربما يكون معنا العام القادم هنا!!
في آخر ليلة لنا في مكة.. ذهبنا لطواف الوداع
اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك العظيم
وأرسلت الدمع منحدرا..
وحينما تذكرت حديث الشيخ مساء البارحة في المخيم عن فضل الحج وهو يذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.. (من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) كبّرت.. الله أكبر.. ما مر بك من ذنوب تغفر.. وما أصابك من زلات تستر.
حمدت الله على هذا الخير العظيم.. ودعوت الله بذلة وانكسار أن أكون من المقبولين..
وأنا أكحل عيني برؤية البيت العتيق.. سقطت دمعة وداع.. وبثثت حديث النفس هل يا ترى سأعود؟! وأكحل عيني مرة أخرى.. هل سأسعى بين الصفا والمروة.. وأروي ظمأي من ماء زمزم سكبت الدموع والعبرات.. وأنا أغادر مكة مودعة.. وأي وداع وأنت تودع الحرم والمقام..
• اتجهنا إلى مطار جدة.. الزحام شديد والأصوات مرتفعة والإعلان عن الرحلات يتم بشكل متتابع..
إنصات عجيب.. لا ترى غلا تذكرة وحقيبة مع كل مسافر.. وترقب يعلو الوجوه.. ولهفة في العيون.. وآذانٌ تستمع.. متى موعد الإقلاع؟!
ولأننا في حملة كبيرة فقد تخلف البعض عن الرحلة لعدم وجود مقاعد.. وكان من المتأخرين.. زوجي..
وصلنا إلى مطار الرياض وأخذنا جانباً من الصالة ونحن ننتظر مع الحجاج بقية أقاربنا
طال انتظارنا.. وعندما أعلن عن وصول الرحلة القادمة.. حمدت الله وتدافعنا ننظر في وجوه القادمين..
وصل الجميع إلا زوجي..
أحد الحجاج ممن كان معنا.. أتى وهو متردد في الكلام.. بطيء الحديث وأخبرنا.. أن زوجي سيتأخر لرحلة قادمة.. وأشار علينا أن نذهب بدلاً من الانتظار..
تساءلت في نفسي.. ولماذا هو الوحيد الذي لم يعد!؟
• عندما وصلت فإذا بالهاتف يخبرنا أن زوجي أصابه إرهاق وتعب.. وقالوا.. هذا أمرٌ طبيعيٌ بعد الحج.. وقد ذهب به أحد الاخوة ممن كان معنا في المخيم إلى المستشفى..
انقطعت الأخبار إلا عن طريق الهاتف.. وأخبار تأتي مجملة.. ومتفرقة.. ومتأخرة!!
تسارعت الأحداث وشعرت أن الأمر كبير..
بدأت وفود الأقارب وحديثهم يذكرني بالموت ووجوب الصبر.. وكأن الأمر كذلك؟!
في مغرب ذلك اليوم.. وقد اعتلى الحزن هامتي.. وطرق الخوف قلبي.. أقبل رجلٌ وقور جاوز السبعين.. يلتحف عباءة ويمسك بيده عصا.. سلم عليّ وقبل رأسي.. وسألني عن حالي..
ثم دوى صوته الهامس في أذني..
احمدي الله.. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار..
قولي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها..
خفض صوته.. واغرورقت عيناه بالدموع وقال.. مات عبد الله.. وضعت رأسي على صدري.. وكتمت صوتي.. وأرسلت دمعي لا تزال بقايا رائحته في يدي.. بل وحتى قلمه وبعض أوراقه في حقيبتي.. بل ولباس إحرامه
أرى ثيابه في مكانها.. وحذاءه.. بل وكلماته الطيبة تعاودني في كل حين..
هناك سجادته التي يقوم فيها مصلياً لله في السحر.. هنا أوراق التقويم التي يمزقها كل يوم بيده وهو يردد.. هذه أعمارنا..
في كل مكان له أثر.. وفي كل أمر له خبر..
في تلك الأيام سقطت دمعتي.. وسقط جنيني..
يجدد الحظن ويرسل الدمع.. ما أتذكره من دعائه قبل الفجر..
رحمه الله على ما صام تلك الهواجر.. وغفر له على ما قام تلك الليالي.. وتجاوز عن سيئاته مثل ما تجاوز عن تقصيري وزلاتي.ز
ثلاث سنوات عشتها معه هانئة شاكرة..
أجدد التوبة فيها كل يوم.. وبفراقه جددت التوبة وأنا أرى بعيني نهاية الدنيا.. وفجأة الموت..
يتجدد أملي.ز تعتادني فرحتي.. وأنا أرفع يدي بالدعاء.. أن يكون الملتقى جنات عدن.. هناك.. حياة لا موت فيها
ونعيم لا شقاء بعده
حمدت الله على خاتمته الطيبة.. فقد كان في عبادة ملبياً مكبراً.. وعندما ترددت أصوات التكبير داخل الحرم تصلي عليه.. وهو مسجى أمام الكعبة.. حمدت الله على هذا الفضل العظيم..
تقبل الله حجه وسعيه.. وغفر زلته.. ورفع درجته.
حمدت الله بقي لي في الحياة متسع..
لا تجزعي
(2)
قال أحمد بن عاصم:هذه غنيمةٌ باردة، أصلح ما بقي من عمرك يُغفر لك ما مضى.
-----------------
في زمن الجهل.. أو زن الغفلة.. سمّه ما شئت
عشت في سباتٍ عميق.. ونومٍ متصل..
ليلٌ لا فجر له.. وظلامٌ ل إشراق فيه..
الواجبات لا تعني شيئاً.. والأوامر والنواهي ليست في حياتي. الحياة متعةٌ.. ولذة..
الحياة.. هي كل شيء.. غردت لها.. وشدوت لها.. الضحكة تسبقني.. والأغنية على لساني.. انطلاق بلا حدود.. وحياة بلا قيود..
عشرون سنة مرت.. كل ما أريده بين يديّ..
وعند العشرين.. أصبحت وردة تستحق القطاف..
من هو الفارس القادم؟ مواصفات.. وشروط..!!
أقبل.. تلُفه سحابة دخان.. ويسابقه.. صوت الموسيقى..
من نفس المجتمع.. ومن النائمين مثلي..
من توسد الذنب.. والتحف المعصية..
الطيور على أشكالها تقع.. طار بي في سماء سوداء.. معاصي.. ذنوب.. غردنا.. شدونا.. أخذنا الحياة طولاً وعرضاً.. لا نعرف لطولها نهاية.. ولا لعرضها حدّا.. اهتماماتنا واحدة.. وطبائعنا مشتركة.. نبحث عن الأغنية الجديدة.. ونتجادل في مشاهدة المباريات..
هكذا.. عشر سنوات مضت منذ زواجي
كهبات النسيم تلفح وجهي المتعب.. سعادةٌ زائفة!!
في هذا العام يكتمل من عمري ثلاثون خريفاً.. كلها مضت.. وأنا أسير في نفق مظلم..
كضوء الشمس عندما يغزو ظلام الليل ويبدده..
كمطر الصيف.ز صوت رعد.. وأضواء برق.. يتبعه.. انهمار المطر..
كان الحُلم يرسم القطرات.. والفرح.. قوس قزح..
• شريط قّدِّم لي من أعز قريباتي..
وعند الإهداء قالت.. إنه عن تربية الأبناء.
تذكرت أنني قد تحدثت معها عن تربية الأبناء منذ شهور مضت.. وربما أنها اهتمت بالأمر..
شريط الأبناء.. سمعته.. رغم أنه اليتيم بن الأشرطة الأخرى التي لدي.ز سمعته مرة.. وثانية..
لم أعجب به فحسب.. بل من شدة حرصي.. سجلت نقاطاً منه على ورقة.. لا أعرف ماذا حدث لي.. إعصار قوي.. زحزح جذور الغفلة من مكانها وأيقظ النائم من سباته.. لم أوقع هذا القبول من نفسي.. بل وهذا التغير السريع.. لم يكن لي أن أستبدل شريط الغناء بشريط كهذا!!
طلبت أشرطة أخرى.. بدأت أصحو.. وأستيقظ..
أُفسّر كل أمر.. إلا الهداية..
من الله.. وكفى..
• هذه صحوتي.. وتلك كبوتي..
هذه انتباهتي.. وتلك غفوتي
ولكن ما يؤلمني.. أن بينهن.. ثلاثين عاماً من عمري مضت.. وأنّى لي بعمرٍ كهذا للطاعة؟
دقات قلبي تغيرت.. ونبضات حياتي اختلفت.. أصبحت في يقظة.. ومن أولى مني بذلك.. كل ما في حياتي من بقايا السبات أزحته عن طريقي.. كل ما يحويه منزلي قذفت به.. كل ما علق بقلبي أزلته..
قال زوجي.. وقد هاله الأمر..
أنت مندفعة.. ولا تُقدرين الأمور!! من أدخل برأسك أن هذا حرام.. وهذا حرام.. بعد عشر سنوات تقولين هذا..؟! متى نزل التحريم..؟
قلت له.. هذا أمر الله وحُكمه..
نحن يا زوجي في نفق مظلم.. ونسير في منحدر خطير.. من اليوم.. بل من الآن يجب أن تحافظ على الصلاة.ز نطق الشيطان على لسانه.. هكذا مرة واحدة؟
قلت له بحزم.. نعم
ولكن سباته عميق.. وغفلته طويلة
لم يتغير.. حاولت.. جاهدت..
شرحت له الأمر.. دَعَوتُ له..
ربما.. لعل وعسى.. خوفته بالله.. والنار.. والحساب والعقاب.. بحفرة مظلمة.. وأهوال مقبلة
ولكن له قلبٌ كالصخر.. لا يلين!!
• في وسط حزنٍ يلفني.. وخوف من الأيام لا يفارقني
عنيٌ علي أبنائي.. وعين تلمح السراب.. مع زوج لا يصلي وهناك بين آيات القرآن.. نارٌ تؤرقني..
(ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين)
حدثته مرات ومرات.. وأريته فتوى العلماء.. قديماً وحديثاً من لا يصلي يجب أن تفارقه زوجته لأنه كافر
ولن أقيم مع كافر..
التفت بكل ببرود وسخرية وهو يلامس جُرحاً ينزف
قلب.. (اللهُ خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)
• كحبات سبحة.. انفرط عقدها.. بدأت تتتابع المصائب.. السخرية.. ولإهانة.. التهديد.. والوعيد لن ترينهم أبداً.. أبداً
أمور كثيرة.. بدأت أعاني منها..وأكبر منها.. أنه لا يُصلي!!
وماذا يُرجى من شخص لا يُصلى؟
عشت في دوامة لا نهاية لها.ز تقض مضجعي.. وفي قلق يسرق لذة نومي.. هاتفتُ بعض العلماء..
ليست المشكلة بذاتي.. بل بفؤادي.. أبنائي..
وعندما علمت خطورة الأمر.. ووجوب طاعة الله ورسوله..
اخترت الدار الآخرة.. وجنة عرضها السماوات والأرض على دنيا زائفة.. وحياة فانية.. وطلبت الطلاق..
كلمة مريرة على كل امرأة.. تُصيب مقتلاً.. وترمي بسهم.. ولكن انشراح لها قلبي.. وبرأ بها جُرحي.. وهدأت معها نفسي.. طاعة لله وقُربةً.. أمسح بها ذنوب سنوات مضت.. وأغسل بها أرداناً سلفت
ابتُليتُ في نفسي.. وفي أبنائي..
أحاول أن أنساهم لبعض الوقت ولكن.. تذكرني دمعتي بهم قال لي أحد أقربائي.. إذا لم يأت بهم قريباً..
فالولاية شرعاً لك.. لنه لا ولاية لكافر على مسلم.. وهو كافر.. وأبناؤكِ مسلمون..
تسليت بقصة يوسف وقلت.. ودمعة لا تفارق عيني.. ومن لي بصبر أبيه..
• في صباح بدد الحزن ضوءه.. طال ليله.. ونزف جُرحه لابدّ أن أزور ابنتي في مدرستها
لم أعد أحتمل فراقها.. جذوة في قلبي تُحرقه.. لابدّ أن أراها.. خشيت أن يذهب عقلي من شدة لهفي عليها..
عاهدت نفسي أن لا أظهر عواطفي.. ولا أُبيّينُ مشاعري.. بل سأكون صامدة.. ولكن أين الصمود.. وأنا أ؛مل الحلوى في حقيبتي!!
جاوزت باب المدرسة متجهة إلى الداخل.. لم يهدأ قلبي من الخفقان.. ولم تستقر عيني في مكان.. يمنةً ويسرةً أبحث عن ابنتي.. وعندما هويت على كرسي بجوار المديرة..
استعدت قوتي.. مسحـت عرقـاً يسيل على وجنتي.. ارتعاشٌ بأطراف أصابعي لا يُقاوم.. أخفيته خلف حقيبتي.. أنفاسي تعلو وتنخفض.. لساني التصق بفمي.. وشعرت بعطش شديد..
في جو أترقب فيه رؤية من أحب.. تحدثت المديرة.. بسعة صدر.. وراحة بال..
أثنت على ابنتي.. وحفظها للقرآن.. طال الحديث.. وأنا مستمعة!!
وقفتُ في وجه المديرة.. وهي تتحدث.. أريد أن أرى ابنتي..
فأنا مكلومة الفؤاد.. مجروحة القلب..
• فُتح الباب..
وأقبلت.. كإطلالة فمر يتعثر في سُحب السماء..
غُشي علي عيني.. وأرسلت دمعي..
ظهر ضعفي أما المديرة.. حتى ارتفع صوتي..
ولكني سمعت صوتاً حبيباً.. كل ليلةٍ يوآنسني.. وفي كل شدة يثبتني..
اصبري.. لا تجزعي.. هذا ابتلاء من الله ليرى صدق توبتك لي يضيعكِ الله أبداً.. من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه أخيتي.. الفتنة.. هي الفتنة في الدين
كففت دمعي.. واريت جُرحي.. بثثت حزني إلى الله..
خرجت.. وأنا ألوم نفسي.. لماذا أتيت..؟!
• والأيام تمر بطيئة.. والساعات بالحظن مليئة
أتحسس أخبارهم.. أسأل عن أحوالهم؟!
ستة أشهر مضت.. قاسيت فيها ألم الفراق وذقت حلاوة الصبر الباب يُطرق..
ومن يطرق الباب في عصر هذا اليوم.. إنهم فلذات كبدي لقد أتى الله بهم.. تزوج وأراد الخلاص
مرت ليلتان.ز عيني لم تشبع من رؤيتهم.. أذني لم تسمع أعذب من أصواتهم..
تتابعت قبلاتي لهم تتابع حبات المطر تلامس أرض الروض
علمت أن الله استجاب دعوتي.. وردهم إليّ
ولكن بقي أمر أكبر.. إنه تربيتهم
عُدت أتذكر يوم صحوتي.. وأبحث عن ذاك الشريط.. حمدت الله على التوبة..
تجاوزت النفق المظلم.. صبرت على الابتلاء
وأسأل الله.. الثبات
الثبات..
السيف
(3)
قال سلمة بن دينار لجلسائه: لوددتُ أن أحدكم يُبقي على دينه كما يبقي على نعله.
رمقتُ سقف الغرفة.. وأنا أنظر بعينين زائغتين
--------------------
انقطعتُ عن الدنيا.. وغبت عن الحياة..
منذ أن تركت المدرسة.. لا أرى زميلة من زميلاتي..
سمى مُدرستي (...) كل شهر أو شهرين تزورني..
بعد غد موعد زيارتها..
أعد الدقائق واللحظات.. وأستعجل الليل والنهار
أحتاج إلى من يزورني.. ويخفف همي ووحدتي..
ولكن.. يتربع سؤال على لساني.. أين المحبة.. وأين الوفاء؟
من كن يسمعن ضحكاتي في المدرسة اختفين..
من سعدن بقربي في الصف الدراسي سنوات ذهبن..
وحيدةٌ أعيش.. الأنين رفيقي.. والألم سميري.. والهم والغم أنيسي.. تتجاذبني الأهواء.. شاردة ساهية.. حتى والدتي تعبت من الجلوس معي.. منذ زمن لم أر حفلاً.. ولا دُعيت لمناسبة.. ولو دعيت.. كيف أذهب؟! وأنا لا أتحرك بسهولة.. خاصة في مكان يحتاج إلى حركة ونشاط.. يحتاج إلى فرح وسرور.. وأنا لست كذلك
كلما فقدت الأمل.. وطوقني اليأس..
تأتي.. مما يُرش الماء على هشيم النار.. ويأتي عذب حديثها..
اصبري واحتسبي.. أمر المؤمن كله له خير..
عليك بذكر الله.. وقراءة القرآن..
لا تضيعي دقيقة واحدة من وقتك في الهواجس والخواطر
• زيارة مُدرستي قصيرة.. ولكن حديثها.ز طويلُ.. طويل يصل إلى أعماق القلب.. ويحيي الأمل في النفس..
عطر الكلمات يبقى وهي تودعني.. وتبقى هدية كلما أتت.. مجموعة من الكتب والأشرطة..
مرت سنة كاملة وهي لم تتركني.. تتعاهدني بالزيارة بين حين وآخر.. أخبرتني أنها ستتزوج.. فرحت بذلك.. ولكن بدأت تنقطع زيارتها.. تُباعدها الأيام.. رغم أني تحدثت عن حاجتي لرؤيتها ورأت دمعتي وأنا ألح عليها بزيارتي..
مع انقطاع أسعد اللحظات معها..
عشت في صراع رهيب.. الكلمات التي تأتي كالبلسم اختفت.. حديث القلب انقطع.. والابتسامة المشرقة غابت فترةٌ من الزمن مضت.. ثم اتصلت بي هاتفياً..
شهقتُ بفرح.. هل مازلت تتذكرينني؟!
قالت: أنت أمام ناظري.ز أُفكر فيك في كل وقت وأدعو لك في صلاتي.ز ولكن انتقل عمل زوجي..
ولا أخفيك.. لقد حاولت أن تزوركِ أختي.. وربما نسيت أو انشغلت..
عاد الصمت..
انقطعت بنا الأيام من جديد.. وتباعدت الزيارات..
• في ليل طويل.. تطاول من الألم..
وأسود من ظلمة الدنيا في عيني
تناولت سماعة الهاتف.. سأتصل بابنة عمي..
كيف حالك.. لم تزوريني منذ زمن.. أين أنت..؟
أنا مشغولة بدراستي.. ولكن أخبيء لك مفاجأة.. وأي مفاجأة!! قلت ما هي..؟
في زمن المرض والكآبة.. هل هناك مفاجآت!!
وأصررت أن تُخبرني..
أحسست أن سكون حياتي سيتحرك وركود أيامي سيجري.. هناك مفاجآت في حياتي.
ولكنها أعادتني كسيرة الفؤاد.. غداً أخبرك.. لن أخبرك اليوم..
انتهت المكالمة.. نامت قريرة العين.. أما أنا..!!
ربما غفوت مرة أو مرتين..
وهندما غالبتُ نفسي.. لابدّ أن أنام حتى أكون مستعدة للمفاجأة.ز صرخ هاتف المرض بداخلي
أنت نائمة منذ سنتين أو أكثر!!
• في صباح الغد..
أتابع أشعة الشمس ترسل خيوطها في غرفتي
سألت نفسي.. ما هي المفاجأة؟
زيارة.. هدين.. كل شيء خطر على بالي توقعته
مرت ساعات طويلة تعودت على مرورها.. ولكن ساعات اليوم توقفت.. فالساعة لا تدق.. والشمس لا تجري..
بعد صلاة العصر
انتظرت وصولها ساعة كاملة.. ولم تأت.. اتصلتُ بالهاتف..
قالوا.. نائمة.. اتصلت بعد ساعة.. فإذا بها لا تزال نائمة.. بعد صلاة المغرب.. وقد نفد صبري.. ولم يعد للمفاجأة أهمية في حياتي.. قلت لها حين أقبلت..
لم يبق لديّ لهفةٌ وشوق لأسمع المفاجأة.. لقد تبلدت أحاسيسي..
قالت: هوني عليك..الأمر يعني لك كل شيء..
مفاجأة.. لن تتكرر.. فرصة عُمر..
إنها فرصة تُنهي المرض.. وتنهضين من فراشك
فتحت فمي مدهوشة.. وقلبي يوشك أن يقفز من صدري.. ورعشةٌ بين أضلعي!!
• قالت: اسمعي.. حدثتني زميلتي عن شخص صالح يعرف ماذا بكِ من الأمراض.. وبعد أن يراك يعطيكِ أدوية وأعشاباً تشفيكِ بإذن الله مما أنت فيه.. كثيرات ذهبت إليه..
فلانة ذهبت له.. وقد طرقت أبواب المستشفيات.. ولم تُنجب.. أُبشركِ.. حامل وهي الآن في الشهر الثالث.. وفلانة.. تعرفين مشاكلها مع زوجها.. كان يكرهها ولا يطيقها.. بل هددها بالطلاق..
ذهبت إليه.. أتعرفين!؟.. الآن لا يستطيع أن يفارقها.. قاطعتها..إنه.
قالت وصوتها يهز المكان..
أنتِ مسكينة.. ظَلِّي مريضة طول عمرك
أتقبلين أن تعيشي هكذا..؟ ألا تريدين العافية..؟
ألا تبحثين عن الزوج وتكوين أسرة..؟
ألا ترغبين في إنجاب طفل يملأ عليك حياتك؟
أحلامٌ تلاحقت أمامي.. وسمعتُ صراخ طفلي.. وبسمة الحياة طولي.. لم أفكر في مقاطعتها
استمرت في حديث الحُلم.. دغدغ مشاعري.. وأعمى بصري..
لو كتب الله لكِ العافية.. لعدتِ إلى حياتك.. ولتزوجتِ وأنجبتِ وأنجبت...
• بقية إيمان في قلبي صرخت تقول بصوت ضعيف
إنه ساحر.. كاهن..
--------------------------------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
الوداع
(1)
قال الحسن: إني لأستحي من ربي عزّ وجلّ أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته.. فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه.
-----------------
لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..
هرول ملبياً النداء..
قال وهو يستحثني لأداء فريضة الحج
ماذا تنتظرين!؟ وإلى متى تؤجلين!؟
إنها فرصة واحدة كل عام.. وهذا ركنٌ من أركان الإسلام.. ما عذركِ في التأخير..
الآن السبل مُيسرة والمواصلات سهلة.. والأمن متوفرة..
تباطأت أبحث عن عذر..
قال.. أما سمعتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (.. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) إنه أجرٌ وثوابٌ يملأ القلب همةً ونشاطاً.. وسروراً وحبوراً..
أقبلت الأعمال كالجبال.. وسارت نحوي الأعذار..
عاد صوته مرة أخرى وبحماس أكثر وهو يقول..
فرصةٌ لا تعوض.. لا تترددي..
قلت له.ز هذا قرار سريع.. انتظر.. دعني أفكر.. ثم مع من نذهب؟! وكيف نذهب؟! وأين نسكن؟!
وانطلقت الأسئلة كسيل جارف.. ماذا نفعل.. هناك زحام.. وهذا العام الحر شديد.. والحجاج كثير؟!
فاجأني بصوته الهادئ.. الأمر مُيسر.. يُسهل الله كل عسي.
• سهل الله الأمر..
الأعمال التي كانت أمام عيني كالجبال تلاشت.. والأعذار المتلاطمة كالأمواج اختفت.. قررت مرافقته في رحلة الحج..
وهل هناك أجمل من رفقة زوج في سفر طاعة..
مضت ثلاث سنوات على زواجي.. ثلاث سنوات كان عوناً لي وكنت عوناً له على الطاعة. إذا نسي ذكرته وإذا قصرت نبهني.. لازلت أتذكر الأيام الأولى لزواجي.. وأصابع يده تلتقط مقصاً صغيراً.. سألته.. لماذا هذا المقص؟!
قال وهو يخفي ابتسامته.. بعض زوائد لحيت أقصها!!
سألته باستغراب.. لماذا هذا تقصها؟! قال.. أتجمل لكِ!!
تتجمل لي بمعصية الله؟
نِعمَ الرجل.. امتثال سريع وتوبة من قريب..
أعادت يده المقص إلى مكانه ولم تعد له مرة ثانية منذ ذلك اليوم..
في أيام منى.. كطفلة صغيرة تُمسك بأبيها خائفة مذعورة لم تترك يدي معصمه ولا كفه..
أستمد حناناً لم أره في حياتي.. ويؤنسني صوته وهو يذكر الله.. المخيم يعج بالحجاج نساءً ورجالاً..
سبل الراحة متوفرة.. وكل يوم بعد صلاة المغرب محاضرة.. ثلاثة أيام مرت مليئة بالدعاء والاستغفار..
هنا لا فرق بين الليل والنهار.. لا تسمع إلا أصوات الحجيج وجبال مكة وأديتها تردد صدى تلك التكبيرات والتلبيات..
• في منتصف الليل.. الأصوات تتعالى.. والتكبيرات تتوالى قال لي.. سنطوف ونسعى هذه الليلة..
أظهر حرصه الشديد عليّ عند الطواف.. فأنا حامل
تعالِ من هنا.. لا تتعبي نفسك.. لا تجهدي جسمك دعوت الله وأنا أطوف بالكعبة أن يرزقني طفلاً صالحاً..
سرت مع الزمن.. ربما يكون معنا العام القادم هنا!!
في آخر ليلة لنا في مكة.. ذهبنا لطواف الوداع
اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك العظيم
وأرسلت الدمع منحدرا..
وحينما تذكرت حديث الشيخ مساء البارحة في المخيم عن فضل الحج وهو يذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.. (من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) كبّرت.. الله أكبر.. ما مر بك من ذنوب تغفر.. وما أصابك من زلات تستر.
حمدت الله على هذا الخير العظيم.. ودعوت الله بذلة وانكسار أن أكون من المقبولين..
وأنا أكحل عيني برؤية البيت العتيق.. سقطت دمعة وداع.. وبثثت حديث النفس هل يا ترى سأعود؟! وأكحل عيني مرة أخرى.. هل سأسعى بين الصفا والمروة.. وأروي ظمأي من ماء زمزم سكبت الدموع والعبرات.. وأنا أغادر مكة مودعة.. وأي وداع وأنت تودع الحرم والمقام..
• اتجهنا إلى مطار جدة.. الزحام شديد والأصوات مرتفعة والإعلان عن الرحلات يتم بشكل متتابع..
إنصات عجيب.. لا ترى غلا تذكرة وحقيبة مع كل مسافر.. وترقب يعلو الوجوه.. ولهفة في العيون.. وآذانٌ تستمع.. متى موعد الإقلاع؟!
ولأننا في حملة كبيرة فقد تخلف البعض عن الرحلة لعدم وجود مقاعد.. وكان من المتأخرين.. زوجي..
وصلنا إلى مطار الرياض وأخذنا جانباً من الصالة ونحن ننتظر مع الحجاج بقية أقاربنا
طال انتظارنا.. وعندما أعلن عن وصول الرحلة القادمة.. حمدت الله وتدافعنا ننظر في وجوه القادمين..
وصل الجميع إلا زوجي..
أحد الحجاج ممن كان معنا.. أتى وهو متردد في الكلام.. بطيء الحديث وأخبرنا.. أن زوجي سيتأخر لرحلة قادمة.. وأشار علينا أن نذهب بدلاً من الانتظار..
تساءلت في نفسي.. ولماذا هو الوحيد الذي لم يعد!؟
• عندما وصلت فإذا بالهاتف يخبرنا أن زوجي أصابه إرهاق وتعب.. وقالوا.. هذا أمرٌ طبيعيٌ بعد الحج.. وقد ذهب به أحد الاخوة ممن كان معنا في المخيم إلى المستشفى..
انقطعت الأخبار إلا عن طريق الهاتف.. وأخبار تأتي مجملة.. ومتفرقة.. ومتأخرة!!
تسارعت الأحداث وشعرت أن الأمر كبير..
بدأت وفود الأقارب وحديثهم يذكرني بالموت ووجوب الصبر.. وكأن الأمر كذلك؟!
في مغرب ذلك اليوم.. وقد اعتلى الحزن هامتي.. وطرق الخوف قلبي.. أقبل رجلٌ وقور جاوز السبعين.. يلتحف عباءة ويمسك بيده عصا.. سلم عليّ وقبل رأسي.. وسألني عن حالي..
ثم دوى صوته الهامس في أذني..
احمدي الله.. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار..
قولي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها..
خفض صوته.. واغرورقت عيناه بالدموع وقال.. مات عبد الله.. وضعت رأسي على صدري.. وكتمت صوتي.. وأرسلت دمعي لا تزال بقايا رائحته في يدي.. بل وحتى قلمه وبعض أوراقه في حقيبتي.. بل ولباس إحرامه
أرى ثيابه في مكانها.. وحذاءه.. بل وكلماته الطيبة تعاودني في كل حين..
هناك سجادته التي يقوم فيها مصلياً لله في السحر.. هنا أوراق التقويم التي يمزقها كل يوم بيده وهو يردد.. هذه أعمارنا..
في كل مكان له أثر.. وفي كل أمر له خبر..
في تلك الأيام سقطت دمعتي.. وسقط جنيني..
يجدد الحظن ويرسل الدمع.. ما أتذكره من دعائه قبل الفجر..
رحمه الله على ما صام تلك الهواجر.. وغفر له على ما قام تلك الليالي.. وتجاوز عن سيئاته مثل ما تجاوز عن تقصيري وزلاتي.ز
ثلاث سنوات عشتها معه هانئة شاكرة..
أجدد التوبة فيها كل يوم.. وبفراقه جددت التوبة وأنا أرى بعيني نهاية الدنيا.. وفجأة الموت..
يتجدد أملي.ز تعتادني فرحتي.. وأنا أرفع يدي بالدعاء.. أن يكون الملتقى جنات عدن.. هناك.. حياة لا موت فيها
ونعيم لا شقاء بعده
حمدت الله على خاتمته الطيبة.. فقد كان في عبادة ملبياً مكبراً.. وعندما ترددت أصوات التكبير داخل الحرم تصلي عليه.. وهو مسجى أمام الكعبة.. حمدت الله على هذا الفضل العظيم..
تقبل الله حجه وسعيه.. وغفر زلته.. ورفع درجته.
حمدت الله بقي لي في الحياة متسع..
لا تجزعي
(2)
قال أحمد بن عاصم:هذه غنيمةٌ باردة، أصلح ما بقي من عمرك يُغفر لك ما مضى.
-----------------
في زمن الجهل.. أو زن الغفلة.. سمّه ما شئت
عشت في سباتٍ عميق.. ونومٍ متصل..
ليلٌ لا فجر له.. وظلامٌ ل إشراق فيه..
الواجبات لا تعني شيئاً.. والأوامر والنواهي ليست في حياتي. الحياة متعةٌ.. ولذة..
الحياة.. هي كل شيء.. غردت لها.. وشدوت لها.. الضحكة تسبقني.. والأغنية على لساني.. انطلاق بلا حدود.. وحياة بلا قيود..
عشرون سنة مرت.. كل ما أريده بين يديّ..
وعند العشرين.. أصبحت وردة تستحق القطاف..
من هو الفارس القادم؟ مواصفات.. وشروط..!!
أقبل.. تلُفه سحابة دخان.. ويسابقه.. صوت الموسيقى..
من نفس المجتمع.. ومن النائمين مثلي..
من توسد الذنب.. والتحف المعصية..
الطيور على أشكالها تقع.. طار بي في سماء سوداء.. معاصي.. ذنوب.. غردنا.. شدونا.. أخذنا الحياة طولاً وعرضاً.. لا نعرف لطولها نهاية.. ولا لعرضها حدّا.. اهتماماتنا واحدة.. وطبائعنا مشتركة.. نبحث عن الأغنية الجديدة.. ونتجادل في مشاهدة المباريات..
هكذا.. عشر سنوات مضت منذ زواجي
كهبات النسيم تلفح وجهي المتعب.. سعادةٌ زائفة!!
في هذا العام يكتمل من عمري ثلاثون خريفاً.. كلها مضت.. وأنا أسير في نفق مظلم..
كضوء الشمس عندما يغزو ظلام الليل ويبدده..
كمطر الصيف.ز صوت رعد.. وأضواء برق.. يتبعه.. انهمار المطر..
كان الحُلم يرسم القطرات.. والفرح.. قوس قزح..
• شريط قّدِّم لي من أعز قريباتي..
وعند الإهداء قالت.. إنه عن تربية الأبناء.
تذكرت أنني قد تحدثت معها عن تربية الأبناء منذ شهور مضت.. وربما أنها اهتمت بالأمر..
شريط الأبناء.. سمعته.. رغم أنه اليتيم بن الأشرطة الأخرى التي لدي.ز سمعته مرة.. وثانية..
لم أعجب به فحسب.. بل من شدة حرصي.. سجلت نقاطاً منه على ورقة.. لا أعرف ماذا حدث لي.. إعصار قوي.. زحزح جذور الغفلة من مكانها وأيقظ النائم من سباته.. لم أوقع هذا القبول من نفسي.. بل وهذا التغير السريع.. لم يكن لي أن أستبدل شريط الغناء بشريط كهذا!!
طلبت أشرطة أخرى.. بدأت أصحو.. وأستيقظ..
أُفسّر كل أمر.. إلا الهداية..
من الله.. وكفى..
• هذه صحوتي.. وتلك كبوتي..
هذه انتباهتي.. وتلك غفوتي
ولكن ما يؤلمني.. أن بينهن.. ثلاثين عاماً من عمري مضت.. وأنّى لي بعمرٍ كهذا للطاعة؟
دقات قلبي تغيرت.. ونبضات حياتي اختلفت.. أصبحت في يقظة.. ومن أولى مني بذلك.. كل ما في حياتي من بقايا السبات أزحته عن طريقي.. كل ما يحويه منزلي قذفت به.. كل ما علق بقلبي أزلته..
قال زوجي.. وقد هاله الأمر..
أنت مندفعة.. ولا تُقدرين الأمور!! من أدخل برأسك أن هذا حرام.. وهذا حرام.. بعد عشر سنوات تقولين هذا..؟! متى نزل التحريم..؟
قلت له.. هذا أمر الله وحُكمه..
نحن يا زوجي في نفق مظلم.. ونسير في منحدر خطير.. من اليوم.. بل من الآن يجب أن تحافظ على الصلاة.ز نطق الشيطان على لسانه.. هكذا مرة واحدة؟
قلت له بحزم.. نعم
ولكن سباته عميق.. وغفلته طويلة
لم يتغير.. حاولت.. جاهدت..
شرحت له الأمر.. دَعَوتُ له..
ربما.. لعل وعسى.. خوفته بالله.. والنار.. والحساب والعقاب.. بحفرة مظلمة.. وأهوال مقبلة
ولكن له قلبٌ كالصخر.. لا يلين!!
• في وسط حزنٍ يلفني.. وخوف من الأيام لا يفارقني
عنيٌ علي أبنائي.. وعين تلمح السراب.. مع زوج لا يصلي وهناك بين آيات القرآن.. نارٌ تؤرقني..
(ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين)
حدثته مرات ومرات.. وأريته فتوى العلماء.. قديماً وحديثاً من لا يصلي يجب أن تفارقه زوجته لأنه كافر
ولن أقيم مع كافر..
التفت بكل ببرود وسخرية وهو يلامس جُرحاً ينزف
قلب.. (اللهُ خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)
• كحبات سبحة.. انفرط عقدها.. بدأت تتتابع المصائب.. السخرية.. ولإهانة.. التهديد.. والوعيد لن ترينهم أبداً.. أبداً
أمور كثيرة.. بدأت أعاني منها..وأكبر منها.. أنه لا يُصلي!!
وماذا يُرجى من شخص لا يُصلى؟
عشت في دوامة لا نهاية لها.ز تقض مضجعي.. وفي قلق يسرق لذة نومي.. هاتفتُ بعض العلماء..
ليست المشكلة بذاتي.. بل بفؤادي.. أبنائي..
وعندما علمت خطورة الأمر.. ووجوب طاعة الله ورسوله..
اخترت الدار الآخرة.. وجنة عرضها السماوات والأرض على دنيا زائفة.. وحياة فانية.. وطلبت الطلاق..
كلمة مريرة على كل امرأة.. تُصيب مقتلاً.. وترمي بسهم.. ولكن انشراح لها قلبي.. وبرأ بها جُرحي.. وهدأت معها نفسي.. طاعة لله وقُربةً.. أمسح بها ذنوب سنوات مضت.. وأغسل بها أرداناً سلفت
ابتُليتُ في نفسي.. وفي أبنائي..
أحاول أن أنساهم لبعض الوقت ولكن.. تذكرني دمعتي بهم قال لي أحد أقربائي.. إذا لم يأت بهم قريباً..
فالولاية شرعاً لك.. لنه لا ولاية لكافر على مسلم.. وهو كافر.. وأبناؤكِ مسلمون..
تسليت بقصة يوسف وقلت.. ودمعة لا تفارق عيني.. ومن لي بصبر أبيه..
• في صباح بدد الحزن ضوءه.. طال ليله.. ونزف جُرحه لابدّ أن أزور ابنتي في مدرستها
لم أعد أحتمل فراقها.. جذوة في قلبي تُحرقه.. لابدّ أن أراها.. خشيت أن يذهب عقلي من شدة لهفي عليها..
عاهدت نفسي أن لا أظهر عواطفي.. ولا أُبيّينُ مشاعري.. بل سأكون صامدة.. ولكن أين الصمود.. وأنا أ؛مل الحلوى في حقيبتي!!
جاوزت باب المدرسة متجهة إلى الداخل.. لم يهدأ قلبي من الخفقان.. ولم تستقر عيني في مكان.. يمنةً ويسرةً أبحث عن ابنتي.. وعندما هويت على كرسي بجوار المديرة..
استعدت قوتي.. مسحـت عرقـاً يسيل على وجنتي.. ارتعاشٌ بأطراف أصابعي لا يُقاوم.. أخفيته خلف حقيبتي.. أنفاسي تعلو وتنخفض.. لساني التصق بفمي.. وشعرت بعطش شديد..
في جو أترقب فيه رؤية من أحب.. تحدثت المديرة.. بسعة صدر.. وراحة بال..
أثنت على ابنتي.. وحفظها للقرآن.. طال الحديث.. وأنا مستمعة!!
وقفتُ في وجه المديرة.. وهي تتحدث.. أريد أن أرى ابنتي..
فأنا مكلومة الفؤاد.. مجروحة القلب..
• فُتح الباب..
وأقبلت.. كإطلالة فمر يتعثر في سُحب السماء..
غُشي علي عيني.. وأرسلت دمعي..
ظهر ضعفي أما المديرة.. حتى ارتفع صوتي..
ولكني سمعت صوتاً حبيباً.. كل ليلةٍ يوآنسني.. وفي كل شدة يثبتني..
اصبري.. لا تجزعي.. هذا ابتلاء من الله ليرى صدق توبتك لي يضيعكِ الله أبداً.. من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه أخيتي.. الفتنة.. هي الفتنة في الدين
كففت دمعي.. واريت جُرحي.. بثثت حزني إلى الله..
خرجت.. وأنا ألوم نفسي.. لماذا أتيت..؟!
• والأيام تمر بطيئة.. والساعات بالحظن مليئة
أتحسس أخبارهم.. أسأل عن أحوالهم؟!
ستة أشهر مضت.. قاسيت فيها ألم الفراق وذقت حلاوة الصبر الباب يُطرق..
ومن يطرق الباب في عصر هذا اليوم.. إنهم فلذات كبدي لقد أتى الله بهم.. تزوج وأراد الخلاص
مرت ليلتان.ز عيني لم تشبع من رؤيتهم.. أذني لم تسمع أعذب من أصواتهم..
تتابعت قبلاتي لهم تتابع حبات المطر تلامس أرض الروض
علمت أن الله استجاب دعوتي.. وردهم إليّ
ولكن بقي أمر أكبر.. إنه تربيتهم
عُدت أتذكر يوم صحوتي.. وأبحث عن ذاك الشريط.. حمدت الله على التوبة..
تجاوزت النفق المظلم.. صبرت على الابتلاء
وأسأل الله.. الثبات
الثبات..
السيف
(3)
قال سلمة بن دينار لجلسائه: لوددتُ أن أحدكم يُبقي على دينه كما يبقي على نعله.
رمقتُ سقف الغرفة.. وأنا أنظر بعينين زائغتين
--------------------
انقطعتُ عن الدنيا.. وغبت عن الحياة..
منذ أن تركت المدرسة.. لا أرى زميلة من زميلاتي..
سمى مُدرستي (...) كل شهر أو شهرين تزورني..
بعد غد موعد زيارتها..
أعد الدقائق واللحظات.. وأستعجل الليل والنهار
أحتاج إلى من يزورني.. ويخفف همي ووحدتي..
ولكن.. يتربع سؤال على لساني.. أين المحبة.. وأين الوفاء؟
من كن يسمعن ضحكاتي في المدرسة اختفين..
من سعدن بقربي في الصف الدراسي سنوات ذهبن..
وحيدةٌ أعيش.. الأنين رفيقي.. والألم سميري.. والهم والغم أنيسي.. تتجاذبني الأهواء.. شاردة ساهية.. حتى والدتي تعبت من الجلوس معي.. منذ زمن لم أر حفلاً.. ولا دُعيت لمناسبة.. ولو دعيت.. كيف أذهب؟! وأنا لا أتحرك بسهولة.. خاصة في مكان يحتاج إلى حركة ونشاط.. يحتاج إلى فرح وسرور.. وأنا لست كذلك
كلما فقدت الأمل.. وطوقني اليأس..
تأتي.. مما يُرش الماء على هشيم النار.. ويأتي عذب حديثها..
اصبري واحتسبي.. أمر المؤمن كله له خير..
عليك بذكر الله.. وقراءة القرآن..
لا تضيعي دقيقة واحدة من وقتك في الهواجس والخواطر
• زيارة مُدرستي قصيرة.. ولكن حديثها.ز طويلُ.. طويل يصل إلى أعماق القلب.. ويحيي الأمل في النفس..
عطر الكلمات يبقى وهي تودعني.. وتبقى هدية كلما أتت.. مجموعة من الكتب والأشرطة..
مرت سنة كاملة وهي لم تتركني.. تتعاهدني بالزيارة بين حين وآخر.. أخبرتني أنها ستتزوج.. فرحت بذلك.. ولكن بدأت تنقطع زيارتها.. تُباعدها الأيام.. رغم أني تحدثت عن حاجتي لرؤيتها ورأت دمعتي وأنا ألح عليها بزيارتي..
مع انقطاع أسعد اللحظات معها..
عشت في صراع رهيب.. الكلمات التي تأتي كالبلسم اختفت.. حديث القلب انقطع.. والابتسامة المشرقة غابت فترةٌ من الزمن مضت.. ثم اتصلت بي هاتفياً..
شهقتُ بفرح.. هل مازلت تتذكرينني؟!
قالت: أنت أمام ناظري.ز أُفكر فيك في كل وقت وأدعو لك في صلاتي.ز ولكن انتقل عمل زوجي..
ولا أخفيك.. لقد حاولت أن تزوركِ أختي.. وربما نسيت أو انشغلت..
عاد الصمت..
انقطعت بنا الأيام من جديد.. وتباعدت الزيارات..
• في ليل طويل.. تطاول من الألم..
وأسود من ظلمة الدنيا في عيني
تناولت سماعة الهاتف.. سأتصل بابنة عمي..
كيف حالك.. لم تزوريني منذ زمن.. أين أنت..؟
أنا مشغولة بدراستي.. ولكن أخبيء لك مفاجأة.. وأي مفاجأة!! قلت ما هي..؟
في زمن المرض والكآبة.. هل هناك مفاجآت!!
وأصررت أن تُخبرني..
أحسست أن سكون حياتي سيتحرك وركود أيامي سيجري.. هناك مفاجآت في حياتي.
ولكنها أعادتني كسيرة الفؤاد.. غداً أخبرك.. لن أخبرك اليوم..
انتهت المكالمة.. نامت قريرة العين.. أما أنا..!!
ربما غفوت مرة أو مرتين..
وهندما غالبتُ نفسي.. لابدّ أن أنام حتى أكون مستعدة للمفاجأة.ز صرخ هاتف المرض بداخلي
أنت نائمة منذ سنتين أو أكثر!!
• في صباح الغد..
أتابع أشعة الشمس ترسل خيوطها في غرفتي
سألت نفسي.. ما هي المفاجأة؟
زيارة.. هدين.. كل شيء خطر على بالي توقعته
مرت ساعات طويلة تعودت على مرورها.. ولكن ساعات اليوم توقفت.. فالساعة لا تدق.. والشمس لا تجري..
بعد صلاة العصر
انتظرت وصولها ساعة كاملة.. ولم تأت.. اتصلتُ بالهاتف..
قالوا.. نائمة.. اتصلت بعد ساعة.. فإذا بها لا تزال نائمة.. بعد صلاة المغرب.. وقد نفد صبري.. ولم يعد للمفاجأة أهمية في حياتي.. قلت لها حين أقبلت..
لم يبق لديّ لهفةٌ وشوق لأسمع المفاجأة.. لقد تبلدت أحاسيسي..
قالت: هوني عليك..الأمر يعني لك كل شيء..
مفاجأة.. لن تتكرر.. فرصة عُمر..
إنها فرصة تُنهي المرض.. وتنهضين من فراشك
فتحت فمي مدهوشة.. وقلبي يوشك أن يقفز من صدري.. ورعشةٌ بين أضلعي!!
• قالت: اسمعي.. حدثتني زميلتي عن شخص صالح يعرف ماذا بكِ من الأمراض.. وبعد أن يراك يعطيكِ أدوية وأعشاباً تشفيكِ بإذن الله مما أنت فيه.. كثيرات ذهبت إليه..
فلانة ذهبت له.. وقد طرقت أبواب المستشفيات.. ولم تُنجب.. أُبشركِ.. حامل وهي الآن في الشهر الثالث.. وفلانة.. تعرفين مشاكلها مع زوجها.. كان يكرهها ولا يطيقها.. بل هددها بالطلاق..
ذهبت إليه.. أتعرفين!؟.. الآن لا يستطيع أن يفارقها.. قاطعتها..إنه.
قالت وصوتها يهز المكان..
أنتِ مسكينة.. ظَلِّي مريضة طول عمرك
أتقبلين أن تعيشي هكذا..؟ ألا تريدين العافية..؟
ألا تبحثين عن الزوج وتكوين أسرة..؟
ألا ترغبين في إنجاب طفل يملأ عليك حياتك؟
أحلامٌ تلاحقت أمامي.. وسمعتُ صراخ طفلي.. وبسمة الحياة طولي.. لم أفكر في مقاطعتها
استمرت في حديث الحُلم.. دغدغ مشاعري.. وأعمى بصري..
لو كتب الله لكِ العافية.. لعدتِ إلى حياتك.. ولتزوجتِ وأنجبتِ وأنجبت...
• بقية إيمان في قلبي صرخت تقول بصوت ضعيف
إنه ساحر.. كاهن..