المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الثانية *****


سمر الموحد
09-28-2006, 05:18 PM
موضوع الرسالة: الزمن القادم قصص شيقة المجموعة الثانية

--------------------------------------------------------------------------------

(11) حامل المسك
قيل لعبد الله بن عمر: توفى فلان الأنصاري قال: رحمه الله، قالوا ترك مائة ألف. قال: لكن هي لم تتركه.
--------
أصابته ضائقة مالية شديدة تردد أوضاعه.. وقل ما في يده.. وتفرق أصحابه..
يتذكر أنه منذ عشر سنوات قدم استقالته من وظيفته.. تحول إلى الأعمال الحر.. تغيرت أحواله بعد الاستقالة.. كثرت أمواله.. انتقل إلى فلة كبيرة.. تزوج المرأة الثانية.. أسفاره لا تعد.. أنغمس في الملذات والمحرمات بدون حد.. يسمع الأذان.. ولا يبعد المسجد من مكتبه سوى أمتار محدودة ولا يذهب للصلاة.. بل إن له فترة طويلة ما سجد لله سجدة.. مشغول لا وقت لديه..
في بيته كالحيوان.. يأكل ويشرب وينام.. حتى تربيته لأولاده.. لم يسألهم يوماً هل يعرفون الصلاة أم لا.. في أمواله يتساوى لديه الحلال والحرام. لا يهمه الوسيلة.. المهم النتيجة.. فهذه قاعدته التجارية..
• ولكن.. خلال السنتين الماضيتين.. تردت الأمور التجارية.. بدأ يحاول المستحيل حتى يحافظ على أعماله وأرباحه السابقة.. ولذلك بدأت أعماله تأخذ طابع الفوضى.. كالغريق يريد النجاة..
بدأ أصحاب الربح السريع يزينون له هذا المشروع.. وذاك المشروع.. هذا المشروع فشل ولم ينجح.. وهذا يساوي نصف ما دفع فيه.. خلال السنتين كثر الدائنون.. وكثرت مشاكله.. تذكر كيف كان قبل الاستقالة من الوظيفة.. الآن مصروفاته باهظة ودخله قل.. بدأ يأخذ القروض من البنوك..
خلال سنة واحدة تراكمت عليه الديون وعجز عن السداد.. انتقل إلى مرحلة جديدة في حياته.. مرحلة المطالبات في المحاكم ولدى الحقوق والشرطة.. أصبح عمله فقط محالة إرجاء حقوق الدائنين إلى وقت آخر.. مرت الشهور.. وحلت الديون.. وبدأت ملمح الشجون.. تارة بالتهديد والوعيد.. وتارةً بتقديم الشكاوي.. هذا ما فعله الدائنون..
باع جميع ما يملك.. فتله.. سياراته.. أراضيه.. أملاكه التجارية.. سدد الجزء الأكبر..
• تبقى جزء من الديون أمهله أصحابها رأفةً به.. انتقل إلى بيت صغير جمع فيه زوجته وأبناءه العشر.. السائق والخادمة لا وجود لهما عنده.. الليل يقضيه في هموم وغموم..
في وسط هذه المشاكل خطرت في باله زيارة صديقه محمد.. سوف يساعده بمبلغ من المال.. فهو صديق طفولته.. ورفيقه في الوظيفة..
هل يذهب إليه.. أم لا.. على الرغم من أن محمد عندما زاره قبل سنتين تضايق من المظاهر البراقة.. ومن أصوات الموسيقى والصخب في بيته.. ولكنها الحاجة..
صمم واختار وقتاً مناسباً.. أنه وقت العصر من نهار الغد.. في منتصف العصر لبس ثوبه..
جرس الباب يطرق.. من.. (قولوا غير موجود) أنه صاحب البيت يريد الإيجار.. أين أبوكم.. غير موجود.. اضطر أن يتأخر نصف ساعة حتى يبتعد صاحب البيت عن الباب..
خرج على عجل وركب سيارته.. اتجه إلى منزل محمد.. نفس البيت القديم إذ لم يغيره.. وصل إلى بيت محمد بعد آذان المغرب مباشرةً.. من بالباب.. أنا صالح.. أين محمد.. لقد ذهب إلى المسجد وسيعود بعد الصلاة.. ركب سيارته.. اطرق برأسه.. من العيب أن ينتظر في السيارة والناس يمرون بجواره ذاهبين للمسجد.. ثم ماذا لو خرج محمد ووجده لم يصل مع الجماعة.. ثم أين يذهب..
لست على وضوء.. سأهذب للصلاة ها هو المسجد..
توضأ ثم ذهب للمسجد.. أدرك الركعة الثانية من صلاة المغرب.. بعد الصلاة قام أحد المشائخ وأمسك بمكبر الصوت..
بعد أن أثنى على الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، .. فق أريد من وقتكم خمس دقائق.. بدأ يتحدث عن الطاعة.. وإنها سبب الحياة السعيدة ألم تسمعون قول الله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً) وتطرق لاستقامة الإنسان في الحياة.. وعدد بعض الفوائد الاتجاه إلى الله.. وذكر الرزق.. رفعت رأي لأنظر إليه فهذا ما يهمنى.. تابع تفسير قول الله تعالى: ومن يتق اللهَ يجعل له مخرجاً ويرقه من حيث لا يحتسب) فذكر أن الزرق يأتيك من أبواب لا تطرقها ولا تتوقع أن يأتيك منها.. اكمل الخمس دقائق ووفى بوعده..
وقلت في نفسي ليته أخلف بوعده فحديثه دخل قلبي.. أين أنا من هذه الآيات والأحاديث.. لقد كنت تائهاً لم أعرف الله إلا في هذه الشدة.. الحمد لله أنني عرفته..
آثار في نفسي شجوناً كثيرةً.. فأنا منكسر النفس من الناحية المادية.. وأثارني لقوله أن هذه أسباب المعاصي.. فتذكرت غفلتي..
دمعت عيني.. وتنهدت.. خرجت من المسجد.. ها هو محمد.. دخلنا إلى منزله الله أكبر صديق عمر.. بمعنى هذه الكلمة.. هش لي ورحب بي في وقت هرب فيه كل من حولي.. كيف أولادك.. كيف صحتك.. ما هي أخبارك..
• يا محمد لا تستعجل.. سأخبرك بكل شيء.. طال حديثي وفصلت له كل شيء.. بعد أن انتهيت.. أجابني جواباً أسمعه لأول مرة في حياتي.. هذه رحمة من الله لك..
لقد أكلت من الحرام أكثر من الحلال. وتركت واجباتك الدينية.. وابتعدت عن الله.. لعل في هذا أيقاظ لقلبك.. لتعرف أن المادة لا تعني شيئاً.. بل سيحاسبك الله كما في الحديث يسأل المرء عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به..
ولكن الحمد لله على كل حال.. كم تبقى من ديونك.. سأكفلك في جميع ما تبقى.. وهذا المنزل المجاور لي اشتريته منذ خمس سنين ولقد خرج المستأجر منذ شهرين.. وحلف عليّ أن أسكن به حتى يسر الله أمري.. احتضنته وأنا أودعه..
رجل صالح بمعنى الكلمة.. على خلق ودين..
بعد أسبوع سكنا بجوار محمد.. له مجلس كل يوم اثنين مع بعض الاخوة يقرؤون في بعض الكتب الدينية.. بدأ أبنائي يحفظون القرآن في المسجد مع أولاده.. بدأت أشعر بطعم الحياة.. بدأت أموري تتحسن.. والأهم من ذلك ديني.. وبيتي.. بعد صلاة الفجر أجلس في المسجد حتى تشرق الشمس..
لقد أشرقت شمس الإيمان في داخلي..
(12) الزمن القادم
هــذا توفى النفوسُ مـا كسبـت ويحصـد الزارعـون ما زرعــوا
إن أحسنــوا أحسنـوا لأنفسهــم وإن أســاءوا فبئــس ما صنعوا
-------
اشتعل الرأس شيباً..
ها قد شارفت على الخميس..
على الرغم من عشقي للقراءة..
إلا أن الوقت أخذ يضيق بي..
أصبحت مباهج الدنيا تأخذ متعة القراءة مني..
هذا ابن قادم وذاك حفيد لا تمل رؤيته..
حياة تسير على ما أتمناه.
لا يكدر صفوها شيء..
نهاية يوم الخميس حانت..
بعد يوم طويل.. حافل بالزيارات والمرح..
ودعتُ أبنائي وبناتي وأحفادي..
صرخ هاجس في داخلي..
هذه الدنيا عجب..
اجتماع وفرقته..
سيرحل الجميع..
وسيودعون ويودعون..
ستبقى وحيداً..
ما هذه الأفكار..
بسرعة.. تلفت يمنةً ويسرةً..
مجموعة من الكتيبات ذات الحجم الصغير دائماً تقع تحت نظري..
لا شك أن ابنتي الصغرى هي التي وضعتها..
فهي تهديها إلي بين حين وآخر وتُحثّني على قراءتها..
كتاب أذكار الصباح والمساء..
كتاب زاد المسلم اليومي..
ماذا بعد..
هنا كتيب صغير..
لا يتجاوز أربع صفحات..
لا يحتاج إلا لأربع دقائق قراءة..
تناولته.. بسرعة استكملت قراءته..
أصابني الدوار..
هممت بصوت خافت..
لا أغسل..
ولا أكفن..
ولا يُصلى علي..
ولا أدفن مع المسلمين..
ماذا بعد..؟
أنا ابن الخمسين..
هكذا ستكون نهايتي..
لا..
بل هناك المزيد سأعيد لكم القراءة مرة أخرى..
ولكن بالتفصيل..
الكتاب بعنوان:
حكم تارك الصلاة ( )..
خلاصته..
أن تارك الصلاة كافر..؟
أبعد هذا العمر.. أوصف بذلك..
صوت بعيد..
ولَم لا؟؟
ألست تارك الصلاة من أحكام.
أولاً: أنه لا يصح أن يزوج، فإن عقد له وهو يصلي، فالنكاح باطل، ولا تحل له الزوجة.
ثانياً: أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة.
ثالثاً: أن هذا الرجل لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته، لماذا؟
لأنها حرام ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها.
رابعاً: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها.
خامساً: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث.
سادساً: أنه إذا مات لا يُغسل ولا يكُفن ولا يُصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين إذًا ماذا يصنع به؟
• يخرج به إلى الصحراء ويحفر له ويدفن بثيابه لأنه لا حرمة له. وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي ن يقدمه للمسلمين يصلون عليه.
عشت حلم الواقع..
وضعت الكتاب جانباً..
رفعت يدي إلى رأسي.. ضغطت عليه بقوة..
سقطت شيبة..
نظرات إليها.. أبعد هذا الشيب؟ لا أغسل ولا أكفن.. ولا يُصلى عليّ..
هذه نهايتي..
هذا ما جمعته في الدنيا..
الله..
كلمة خرجت بقوة من أعماق قلبي..
أهذه نهايتي..
أين نحن غافلون.. فلا شك أني مقصر.. بل ومفرط.. ولكن خمسون سنة.. ولا أجد ناصحاً.. يقول لي ذلك.. كيف..
• مسئولية من هذه..؟
غسلت الزمن الرديء بدموع التوبة..
عاهدت نفسي أن أكون ناصحاً لكل مخطئ..
نهضت قائماً..
سيصلى عليّ..
وسأدفن إن شاء الله مع المسلمين..
(12) الخاتمة
فلــو أنا إذا مُتنا تُركنــــــا لكــان المــوت راحـة كل حي
ولكنــا إذا مُتنــا بُعثنـــــا فنســأل بعده عــن كل شــيء
------
كانت معرفتي به بسيطة.. أحياناً متفرقة، أراه في المسجد وأياماً كثيرة لا أراه.. كنت أسلم عليه بحرارة وكنت في شوق إلى معرفته والتحدث إليه..
عندما انصرفنا من صلاة العصر.. وقفت أنا وزميل لي خارج المسجد نتحدث.. فإذا به قادم.. وسلم على زميلي ثم سلم عليّ.. وبدأ أنهما على معرفة سابقة.. فقد كانا زميلي دراسة..
تجاذبنا أطراف الحديث وطلبت منهما موعداً لزيارتي في منزلي.. فوافقا واتفقنا على الاجتماع بعد صلاة العصر عداً..
سألت زميلي عنه فحدثني بأنه إنسان فيه خير كثير.. فاستفسرت عن سبب غيابه عن المسجد أياماً طويلة خاصةً وأنه جار للمسجد.. فأخبرني أن صديقه هذا له رفقاء سوء في العمل فإذا اتصل بهم تراه يتغيب عن المسجد ولا يحضر للصلاة وتكثير أسفاره..
وتحدثنا طويلاً عن أفضل الطرق لإبعاده عن رفقاء السوء.. طمأنت زميلي وقلت سأحاول إبعاده عنهم قدر المستطاع.. ادع الله أن يعنني على ذلك وسأحتسب الأجر عند الله..
كان الاستعداد للموعد العصر وفرحت به كثيراً لعل الله أن يهديه على يديّ..
أخبرت بعض الأصدقاء وقلت لهم نريد أن تبعده عن رفقاء السوء وهذا لا يتم إلا بالتعاون بيننا جميعاً وكسب مودته وحبه لعل الله أن يهديه..
تمت الزيارة في موعدها وحصل ما كنت أريد، فالرجل محب للخير.. قريب للنفس..
تشعب بنا الحديث وكان بعض حديثنا عن الجو الممطر هذه الأيام وأن في منطقة كذا ربيع وأرض خضراء..
شاركنا في الحوار فإذا به صاحب معرفة بالمناطق الخضراء ذات المناظر الخلابة.. فأشار بأن المنطقة الفلانية أفضل من جميع المناطق وذلك لأنها أرض رملية مغطاة بعشب أخضر وبين تلك الكثبان الرملية غدير ماء.. فاتفقنا على الخروج نهاية الأسبوع لهذا الموقع الجميل..
وصمم أن نكون ضيوفه ولكننا رفضنا...
قلنا له نكفي منك الفكرة ومعرفة الطريق.. وبعد مشاورات أصبحت الرحلة مشاركة من الجميع في كل شيء ما عدا الفكرة فهو صاحبها..
جو ربيعي جميل ومنتزه تحفه الرمال من جميع الجوانب..
وهذه الروضة وسط الرمال.. من أجمل المناطق.. فعلاً.
• أصبح الرجل يودنا ويحبنا ونشأ بيننا الكثير من المحبة والألفة.. خاصةً أن الرحلات للمناطق البعيدة تعني التقارب بين الجميع.. استمرت صداقتنا مع بعض مدة طويلة وأصبح الخروج إلى البر يتم بدون مقدمات لأننا اتفقنا على الخروج نهاية كل أسبوع..
وأصبح هناك ترتيب لجدولنا اليومي في الرحلة واستفادة من الوقت سواء من ممارسة الرياضة أو من استقطاع وقت للراحة.. وكان هناك درس بعد صلاة الفجر يعقبه آخر بعد صلاة العصر مدته قصيرة.. وعانيت من ذلك معاناة شديدة بسبب هذا الارتباط الأسبوعي للخروج خارج البيت..
فقد كان هذا الوقت بالنسبة لي بمثابة تفرغ كامل للقراءة والكتابة.. إضافةً إلى أنني ألغيت الكثير من ارتباطاتي العائلية.. أصبح صاحبنا محافظاً على الصلاة ودوام على صلاة الجماعة في المسجد بما في ذلك صلاة الفجر وظهرت عليه سيما الصلاح والاستقامة.
وقد كان لارتباطي الخاص به فرصة لقربه مني فقد باح لي بالكثير مما يعانيه من قبل.. ومراحل ضياعه..
حيث كان يتيماً وتربى في بيت جده..
استمرت علاقتنا هذه لمدة شهرين كاملين.. بعدها قدر الله لي أن انتقل من بيتي إلى مكان آخر في أطراف المدينة لقربه من مكان عملي وانقطعت تلك الأيام والرحلات وحتى الاتصال الهاتفي.. لعدم وجود هاتف لديّ..
وقد غبت بسبب ذلك فترة ليست طويلة عن هذا الشخص وحتى عندما اتصل عليه في بيته يقولون غير موجود..
• وسبحان مغير الأحوال فقد أخبرني بعض الزملاء ممن كان يذهب معنا أنه عاد لرفقاء السوء وعاد لبعده عن الله جل وعلا.. وأخذت الأسفار جل وقته..
فقد أهمل عائلته ورجع إلى سالف عهده فترك صلاة الجماعة وبدأ يتراجع إلى الخلف..
بدأ يسمع الأغاني.. ترك حفظ القرآن.. ترك السباب الصالحين.. ترك الكتب القيمة..
تحسرت على ذلك ودعوت الله لي وله.. وحثثت بعض الاخوة على معاودة تلك الرحلات..
بعد مدة هاتفني أحد الزملاء وكان صوته متغيراً.. وأخبرني أن فلاناً توفي..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
ماذا جرى له فمنذ مدة لم أره ولم أجده في بيته فقد اتصلتُ عليه كثيراً.. قال لي أنه سافر إلى شرق آسيا مع رفقاء السوء وتناول جرعة كبيرة..
تناول جرعة كبيرة من مادة مخدرة..
مات هناك وحُمل في تابوت على متن الطائرة العائدة ومعه تقرير يثبت أن وفاته كان سببها تناول المخدرات.
وجلت إيما وجل من سوء خاتمته وأيقنت أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء..
فهو لم يستمر في توبته..
بل رجع إلى ما كان عليه..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
تقلب في حياته من الشر إلى الخير..
ثم عاد إلى طريق الشر وختم له بنهاية سيئة..
قال أهله..
ليته مات بأي شيء إلا هذه الموتة وهذا التقرير..
رفعت يدي إلى السماء ودعوت من كل قلبي..
(يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك).

صوت زوجتي بجواري..
خطواتك سريعة كأنك تبحث عن شيء..؟
وهل الدنيا إلا خطوات.. مضى أكثرها..
أمسكت كتاباً.. وبدأت أقرأ.. لكن هناك ما يشغل بالي سألتها..
كم من وقتكِ يذهب بدون فائدة..؟
قالت.. بالعكس فأنا مشغولة.. ولا وقت لدي..
لكنها.. لا تستطيع الهروب من تتابع الأسئلة..
كم ساعة تقضينها في المطبخ..؟
ماذا تستفيدين خلال تلك الساعات الطوال..؟
لو وضعتَ شريطاً لمحاضرة تسمعينها.. معنى ذلك..
تسمعين محاضرةً كاملةً كل يوم..
.. وأكملتُ
مسئوليتي أن أحضر لكِ هذه الأشرطة
تستطيعين لو وضعتِ جدولاً لسماع القرآن الكريم..
عشر دقائق فقط كل يوم.. لربما حفظتِ القرآن..
هذا من وقتكِ.. ووقتك لو تعرفين ثمين..
رمضان شهر عبادة.. وقراءة قرآن..
تُقيمين في المطبخ منذ الصباح.. من سأكل ما تطبخين..؟!
لا أريد إلا نوعاً واحداً.. أو اثنين من الطعام
وتتفرغين للقراءة والعبادة..
• وصلنا بيت القصيد.. أشرتُ بيدي..
اجلسي
سؤال يمر بذهني كلما اجتمعتِ مع الجيران..
ماذا في هذه الاجتماعات الأسبوعية.. وربما اليومية
ألم تسمعي قول الله تعالى: (ما يلْفِظُ مِنْ قَولٍ إلا لديْهِ رَقِيْبٌ عتيدٌ)
كل شيء مكتوب حتى التبسم.. كما قال الإمام أحمد
يُسأل الإنسان فيم تبسمت يوم كذا..
تعلمين.. إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب..
بإمكانك أن تكوني داعية الحي..
فقط ابدئي..
ولا تنسي.. ما يناسب أعمارهم ويصحح أخطاءهم..
استعيني بالله.. وسترين مالا تتوقعين من الخير على يديك
فقط.. ابدئي..
رفعت رأسها.. وقالت
أنا امرأةٌ مسالمة.. لو تعلم أنني في مجتمعات النساء لا أغتاب أبداً..
لصدّقت قولي..
صحيحٌ ما تقولين.. ولكن سماع الغيبة قبول
والقبول إجازة وموافقة.. بل وإعانة..
أعدت عليها تكرار المحاولة السابقة..
ماذا تقولين يا داعية الحي..
أنت متفائل جداً.. تُهون الأمور وتُبسطها.. لا تعرف مجتمع النساء الأمر ليس بهذه السهولة..
كيف أعد محاضرة.. ولست مؤهلة لذلك..
ثم إنني أخجل ولا أستطيع التحدث أمام جمع من النساء..
ولربما.. وضعت نفسي في موقف محرج..
توكلي على الله.. واحتسبي الأجر..
لا عُذر يبرر ترك الدعوة..
الكتب متوفرة.. والأشرطة الإسلامية موجودة..
اقرئي عليهم موضوعاً محدداً..
ولكِ أن أعد المحاضرة الأولى إذا أحببت.. عليكِ فقط قراءتها..
ألا تستطيعين..؟!
• في يوم زيارتنا.. شد نساء الحي الرحال..
كالعادة تسبقهن فاكهة النساء..
فكرتُ كثيراً.. ودعوت الله أن يعينني
خطرت في بالي فكرةٌ جديدة.. سأنفذها حال اكتمال الجميع..
بدأت أنظر في عيونهن.. أقرأ ما يخبئن
تمهلتُ.. وأرجأت تنفيذ الفكرة حتى نهاية الزيارة..
سأراعي كل شيء.. رغبة في كسب ودهن.. ومحبتهن
وحتى لا أدع مجالاً لتعليقاتهن..
بل إنني أقنعت نفسي منذ مساء البارحة.. هذا عمل لوجه الله ثم نظرت.. أكرم الخلق عليه الصلاة والسلام..
كيف بلّغ الدعوة..؟ ماذا تحمل في سبيل ذلك..؟
حوصر في شعب عامر ثلاثة أعوام
رُجم وطُرد من الطائف..
هاجر من أحب البقاع إليه
كُسِرت رباعيته وشُجت جبهته الشريفة يوم أحد..
تعرض للقتل مراتٍ عديدة..
صبرٌ عظيم.. وجهادٌ متصلٌ
لم يتوقف أمام العقبات.. ولم تُثنه الصعوبات
وأنا.. ماذا سأواجه..؟ ربما كلمة.. أو ضحكة.. أو ..!! عاتبت نفسي.. ماذا سأواجه..؟
في نهاية الزيارة..
استجمعت قواي.. دخلت عليهن..
واثقة من نفسي.. أحمل ورقة في يدي
هذه ورقة وزعت في المسجد عن فضل الأيام المقبلة
فضل أيام عشر ذي الحج.. وما يستحب من العمل فيها..
لشدة دهشتي.. لم يكن هناك شيء مما توقعته
بل أنصت الجميع.. بلهفةٍ وشوق
كان في نيتي.. أن أقرأ على عَجل..
ولكن لما رأيت من التجاوب الطيب.. تمهلت في القراءة.. حتى قرأتها كاملة..
قالت إحداهن بتعجب..
كل هذا في فضل عشر ذي الحجة..؟
كنت أظن أنه موسم للحج فقط..!
ترددت الدعوات منهن لي.. احتفالاً ببداية موفقة..
معلنةُ نجاح الخطوة الأولى..
حمدت الله كثيراً.. وتأكدت أ، زوجي قال الحقيقة.
وأنه كان واقعياً أكثر مني..
عندما أخبرتها.. نظر إليّ بفرح..
هذا ما كنت آمله فيك.. يا داعية الحي..
• قبل موعد الزيارة الثانية..
الكتب كثيرةٌ.ز ولكن نجاح الخطوة الأولى يلاحقني..
احترت.. ماذا سأختار..؟ قررت أن أبدأ بالتوحيد..
قرأت عليهن أربع صفحات عن الكهانة والسحر..
وعندما وصلت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما اُنزل على محمد).
لَمحتُ بعض العيون تتحرك.. لم تكن تعلم أن المر هكذا..
القبول والتشجيع.. جعل الأمور تستمر..
في الزيارة التالية قرأت لهن عن الصلاة..
وفي زيارة أخرى قرأت لهن أحكام الطهارة..
الكثير منهن يجهلن أمور العقيدة ويتهاونَّ فيها..
أما أحكام الصلاة والطهارة..
فالجهل ضاربٌ أطنابه في حينا..
• في إحدى الزيارات.. كنت أكثر جرأة..
قرأت لهن كتاباً عن الاحتضار..
شدته.. وغصّته..
وما يعانيه المحتضر عند موته..
تحاملت على نفسي..
تمالكت أعصابي..
وحبست دموعي..
ولكنني في النهاية.. لم أستطع..
بعد شهور عديدة
لم يعد للغيبة في مجلسنا مكان.. أصبح الذكر والتسبيح ملازماً لنا.
كل امرأة أصبحت داعية داخل بيتها ومجتمعها.
قررنا أن تعم الفائدة..
ويكون هناك درس أسبوعي بعد المغرب لمن لم يحضرن معنا..
التغير الكبير والسريع.. جعلني أطرح سؤالاً على زوجي
في مدةٍ وجيزة يكون هذا الخير الكثير
قال.. أو تعجبين..!! الناس على الفطرة
يبحثون عمن يساعدهم ويعينهم..
ولكن دعيني أسألكِ
هل تبرأ ذمتكِ.. لو لم تفعلي ذلك..؟
ناديت بصوتي..
• بقيت ذمم الأخريات..
لو أن كل متعلمة أصبحت داعية الحي..
واستجابت لدعوتي..
فقط ابدئي..
فقط ابدئي..

سمر الموحد
09-28-2006, 05:22 PM
(2) غربة وموقف..
قال إبراهيم التميمي..
إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يديك منه

--------------

للغربة في دارنا سكن..
أهربُ كثيراً.. أحاول أن أنسى
في حديقة المجتمع الخلفية.. سألتني جارتنا.. قلت لها.. مسلمون قلتها على عجل.. خجلاً من نفسي.. وخوفاً من أسئلة أخرى نحن هنا أناس معزولون.. لا نعرف أحداً.. ولا نرى أحداً.. نسمع أن هنا مسجداً.. ونرى منارته حين مرورنا .. ولا ندخله.. حتى في الأعياد لا نأتي إليه..
أيامنا تحولت مع أيامهم وأعيادنا أعيادهم
باختصار.. يطلق علينا مسلمون.. تجاوزاً..
لا صلاة.. ولا عبادة.. لا شيء يوحي بالإسلام في منزلنا سوى سجادة صلاة معلقة في المجلس..
ومع مرور الأيام بدأ لزوجي أن يغيرها..
كيف نعيش.. زوجي رجلٌ عملي.. ومنظم
يجب عمله.. يتفانى في دارسته..
يطغى الجو الرسمي على المنزل وعلى تعاملنا..
يريد كل شيء في وقته.. حتى لا تضيع دقيقة..
أما ابني (....) فليس له من اسمه نصيب
لا يعرف عن الإسلام شيئاً.. ولا يعرف حتى الشهادتين
من ربك..؟ ما دينك..؟ من نبيك..؟..
لم تردد في منزلنا أبداً.. أدخلناه مدرسة مع أطفال الجيران.. وتركنا مدرسةً لأطفال المسلمين.. ما تبقى من وقته
حرصنا فيه على تعلمه للغة الإنجليزية.. رغم صغر سنه..
مشاهدة التلفاز والفيديو.. خروجه مع أطفالهم..
هذا جهدنا نحوه
صلتنا بالطلبة هنا منقطعة.. واتصالنا ببلادنا متقطع
ربما طرقنا هاتف يخبرنا بموت فلان.. أو بزواج قريب.. في غربتنا تحملت مسئولية كل شيء..
شراء ما نحتاجه وحتى تسديد الفواتير..
يُهوّن حياة الغربة.. طفلي.. وشيءٌ من فرحة العودة..
رغبتي في زيارة الأهل لا حد لها.. ولكن..؟!
• مكالمة طويلة من والد زوجي أتت..
وأصر على أن نزورهم هذا الصيف..
ولكما طالت المكالمة فرحت بذلك.. لعلمي إلحاح والده..
بعد أعذار واهية..
سيأتون بدوني.. لديّ ما يشغلني..
وضع سماعة الهاتف.. انتظرته يقول شيئاً.. ولكنه كان متوتراً.. بعد تململٍ قال..
أصر والدي.. وأنا لا أستطيع الذهاب.. وقتنا ضائع بين ذهابٍ وعودةٍ.. قلت له.. لنا سنتين لم نذهب.. اذهبوا أنتم رتبت حجزي.. حزمت حقائبي..
سأغادر مدينتي إلى العاصمة..
أمكث فيها ثلاثة أيام.. أحتاج إلى كثير من الهدايا..
في الطريق فرح ابني..
سنذهب إلى فلان.. وفلان.ز وعدّد الكثير من الأسماء.. لم تغب عن ذاكرته
وعندما دخلنا المدينة سأل عنهم..
قلت.. ليس الآن..
بعد ثلاثة أيام..
في هذه المدينة تتذكر الوطن.. السواح في كل مكان..
السُمرة تعلو الوجوه.. وتُرى العباءة في الأسواق..
فرحت بهذا القرب من الوطن
بدأنا نقترب..
يومٌ أو يومين ونحن هناك
في اليوم الأخير لنا هنا.. بعد أن انتهيت من شراء ما أحتاجه.. ذهبت بابني إلى الحديقة
البط قريبٌ جدّاً.. والحمام يلامس يدك..
الناس في كل مكان.. والأطفال.. يمرحون
بدأ ابني يرمي ببقايا الأكل إلى البط حتى اقتربن
على كرسي جلست وحيدة.. وكان بجوار ابني طفل يحادثه..
ما أسرع المعرفة.. إنه صفاء القلوب..
ناديت ابني ساسمه..
وأتت بدلاً عنه أم الطفل الذي بجواره..
سلّمت وهشت ورحبت..
سائحةٌ مثلي..
قلت بفرح.. لا بل مغادرة..
كالطفلة أحتاج إلى من يحادثني..
امتدحت المكان وفرحة الصغار..
دعتني لشرب الشاي معهم..
وسط أرض خضراء.. يتوسطها الشاي والقهوة..
عَرّفتني.. هذه والدتي.. وهذه أختي.. وهذه زوجة أخي.. ما شاء الله.. عائلة كاملة..
أنست بالحديث معهن..
قادمٌ من بعيد. ينظرون إليه.. ويمازحون..
أقبل.ز نسبقه عصا في يده.. هذا والدنا..
سلّم.. ولم يجلس.. ولكنه رفع صوته..
لا نسمع أذاناً ولا إقامةً..
دعا لبلاد المسلمين دار خير وصلاة..
نادوا فلاناً وذهبت إحداهن تبحث عن الطفلين..
أسرع ابني وجلس بجانبي.. أما الطفل الآخر.. فلعله اعتاد الأمر وضع سجادة.. ووقف بجواره.. وكبّر للصلاة..
مشدودةً عينا ابني.. وهو يرى ذلك
وما إن ركع.. ورفع من السجود..
حتى وقف.. وقال بصوتٍ عالٍ.. فَرِحاً..
يصلي.. مثل بابا عبد العزيز
سألتني والدتهم. ما شاء الله..
أبوه اسمه عبد العزيز..؟
أشحتُ بوجهي عنها.. وأنا أخفي عينيّ..
أسندت رأس ابني إلى صدري..
ما أكبر الجريمة في حقك..
أشرت برأسي أن.. نعم.. عندما أعادت السؤال..
• ماذا أصابني..؟
إعصارٌ هزّ أعماق قلبي..
لم ير والده يصلي. قط..
عبد العزيز.. جده..
لم تدعني دمعتي أكمل ..
قالت بتنهدٍ
إنا لله وإنا إليه راجعون..
قرّبت ابني.. مسحت على رأسه..
وقالت..
(العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)
هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم..
هل تقبلين أن تكوني كافرة..؟
هل تقبلين أن تتزوجي كافر..؟
هل تقبلين..!!



(3) دمعة في فرح
قال أحمد بن حرب..
إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس ثم لا يؤثر الجنة على النار

--------------

امتلأت الغرفة بالمهنئات..
أنظر إلى زميلاتي وقريباتي.. الكل يُسلم.. ويبارك..
بارك الله لكما وبارك عليكما.. وجمع بينكما في خير..
ويدعو بالتوفيق والذرية الصالحة
بعد دقائق..
جلست وحيدة أترقب القادم.. سقطت من عيني دمعة عندما تذكرتُ أمي وهي تدعو لي بالزوج الصالح
كأنني في حلم.. رجعت بالذاكرة سنين طويلة..
صبحا ذاك اليوم..
أين أمي..؟ أين ذهبت..؟
ارتفع صوتي أطول من هامتي.. فأنا ابنة خمس سنين
أعدتُّ السؤال.. أين أمي..؟
كانت الدموع.. الجواب
هناك من أضاف.. بصوتٍ ضعيفٍ.. قطعة البكاء ذهبت إلى الجنة إن شاء الله..
لا أعرف في ذلك اليوم.. من أبكى الآخرة..؟
أهي أنا وأخي صاحب الثلاث سنوات.. أم بكاء من حولنا..؟ أمسكت بيد أخي نبحث عن أمنا
تعبت أقدامنا من الجري هنا.. وهناك..
صعدنا إلى الدور العلوي..
طرقنا أبواب الغرف جميعاً.. ذهبنا إلى المطبخ..
ورغم التعب.. لن نجدها..
عندها.. تأكدتُّ أن أمي ليست في المنزل
ضممتُ أخي إليّ.. وبكيت
من التعب والإرهاق غفونا..
بعد ساعة أو ساعتين.. أمسكتُ بيد أخي.. لنعيد البحث.. لم نجدها في المنزل.. رغم كثرة النساء
لقد كانت ملء السمع والبصر.. ولكن أين اختفت..؟
بعد صمت طويل.. ووقوفٍ مستمر.. تذكرتُ بفرح..
• هناك مكان لم نبحث عنها فيه.. إنه ظل الشجرة..
كانت تُحب ذلك المكان.. بسرعة أجري
تعبنا من نزول الدرج.. وسقط أخي من شدة جذبي له.. ولكننا في النهاية.. لم نر سوى الشجرة..
نظرت أعلى الشجرة.. تحتها.. كل مكان وقع عليه بصري.. ليس هنا سوى الشجرة.. وبقايا زرعٍ كانت تُحبه
ولكن أين أمي..؟
فجأةً..
تعالت الأصوات.. رأيت الرجال وقد تنادوا
أطرقت سمعي.. وأشخصت بصري..
لحظات من الحركة السريعة..
مروا من أمامنا يحملون شيئاً على أكتافهم
قلت لأخي حين سألني.. ما هذا..؟
قلت له ببراءة الأطفال..
هذا شيء ثقيل.. فالكل يشارك في حمله..
لم أكن أعرف أن تلك المحمولة.. هي.. أمي..
وإلا لأمسكت بها.. ولم أدعها تذهب..
اختفى الرجال..
هدأت الأصوات.. وساد الصمت..
جلسنا نلعب في التراب بطمأنينة..
في ظل الشجرة.. كعادتنا عندما تكون أمي بجوارنا..
هذا أول يوم نخرج فيه إلى الحديقة بدون حذاء..
نعطش.. فلا نجد الماء..
أقبلت إحدى قريباتي وأخذتنا معها إلى الداخل..
• في صباح الغد..
بدأنا مشوار البحث في كل مكان..
استجمعت قواي.. قلت لأخي وهو يبكي حولي..
سترجع أمي.. وستعود.. وستعود..
هبت جدتي مسرعة عندما ارتفعت أصواتنا بالبكاء..
ضمتنا إلى صدرها..
لازلت أتحسس دمعتها التي سقطت على رأسي..
• كلما شاهدت أمّاً قبلتها.. فيها رائحة أمي..
تذكرت يوماً.. أنها قالت لي عندما أغضبتها
سأذهب.. وأترككم..
لازلتُ أتذكر حين أتينا لزيارتها في المستشفى..
بجوار سريرها.. حملني أبي.. وقال لها.. هذه أروى..
ضمتني وقبلتني.. ثم قبلت أخي..
تساقطت دموعها وهي تضغط على يدي الصغيرة.. وتقبلها بقوة كل يوم يطرق سمعي.. آخر صوتٍ سمعته منها..
أستودعكما الله الذي لا تضيع ودائعه..
ثم أجهشت بالبكاء.. وعطت وجهها..
أخرجونا من غرفتها.. ونحن بكاءٌ.. ودموع..
بدأنا.. رحلة التنقل
رحَلتُ.. من دارٍ كان لي فيها أبٌ وأمٌ.. وأخ..
رحَلَتْ ونحن رحلنا..
بعد خمس سنوات..
رجعتُ إلى دار أبي.. قادمة من بيت جدتي..
أنا.. وأخي..
وغائب الموتِ لا ترجون رجعتــه *** إذا ذوو غيبـةٍ من سفرةٍ رجعــوا
امرأةٌ في بيت أبي..
هذه أسماء.. سلّموا عليها..
ليست أمي.. لكنها نِعْم الزوجة لأبي..
اهتمت بتربيتنا تربيةً صالحةً.. حرصت علي متابعة دراستي..
بدأت تحثني على حفظ القرآن.. اختارت لي الرفقة الصالحة.. هيأت لي ولأخي.. ما نريد.. بل أكثر من ذلك..
أحياناً كثيرةً نُغضبها.. لكن رغم ذلك..
كانت المرأة الصبورة.. العاقلة..
لم تُضع دقيقة من عمرها بدون فائدة..
لسانها رطبٌ من ذكر الله.. جمعت بين الخُلق والدين
ملأت فراغاً كبيراً في حياتنا..
هذا هو تفسيرها للمعاملة الطيبة.. عندما سألتها فيما بعد..
• قلت لها.. أنتِ تختلفين عن زوجات الآباء
فأني الظلم.. وأين المعاملة السيئة..
قالت.. أخاف الله.. وأحتسب الأجر في كل عملٍ أقوم به.. أنتم أمانة عندي.. لا تعجبي..
حتى في ترتيب شعرك أحتسب الأجر..
ثم يا أروى.. كم تحفظين من القرآن..؟
أليس لي أجرٌ إن شاء الله في ذلك..
ألي لي أجرٌ في تربيتك التربية الصالحة..
كل ما عملتُه.. ابتغاء مرضاة الله.. وأضافت..
كما أن الإنسان يطلب الأجر والمثوبة في العبادات كالصوم والصلاة فأنه يطلبها في المعاملة..
المسلم يا بنيتي مطالبٌ بالمعاملة الحسنة..
• قاطعتها.
ولكننا نتعبك.. وقد نضايقك..
يا أروى.. في كل عمل تعبٌ ونصبٌ.. الجنة لها ثمن..
تعلمين أن في الصيام تعب وفي الحج مشقة..
والله سبحانه وتعالى يقول (فمن يعمل مثقالَ درّةٍ خيراً يّره، ومَن يّعملْ مثقالَ ذرّةٍ شراً يَّره)
ما ترينه حولك من ظلم زوجات الآباء لن يمر دون حساب.. بل حسابٌ عسير..
ما ذنبُ يتيم يُظلم.. وصغيرٍ يُقهر
الظلم ظلماتٌ يوم القيامة
قلت لها.. والعبرات تخنقني..
هذه دعوة أمي رأيتها في حُسن معاملتك لنا..
فالله لا تضيع ودائعه..
• فجأةً..
طرق الباب..
دخلت زوجة أبي.. سلّمت.. وباركت
قبلتُ رأسها.. ولها عندي أكثر
مثال المرأة المسلمة
قالت.ز ودمعةٌ منها تُودّع..
لا تنسي أن تحتسبي عند الله كل عمل تقومين به..
ثم أضافت على عجلٍ لا تفارقه الابتسامة..
لقد حفظتِ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها.. ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت)
والآن.. جاء دور التطبيق..
قلت في نفسي..
ما أخطأ أبي حين تزوج امرأة صالحة..
ما أخطأ أبي حين تزوج امرأة تخاف الله...