سلفي مجتهد
09-30-2006, 04:59 AM
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (1)
البُكَاء
من خشية الله عز وجل
( فضل البكاء من خشية الله عز وجل - السبب في جفاف العين عن البكاء - السبل الميسرة للبكاء من خشية الله - من أحوال البكّائين)جمع وترتيب:
أبو الفرج المصري
براحة الدورات الشرعية والبحوث العلمية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
فإن الطاعة توجب القرب من الله سبحانه وتعالى..
وكلما ازداد القرب من الله قوي الأنس به..
والعكس صحيح.. فالمعصية توجب البعد عن الله سبحانه وتعالى..
وكلما ازداد البعد عن الله قويت الوحشة..
هذه الكلمات هي مجمل الإجابة على أسئلة الكثيرين:
لماذا نشعر بقسوة ووحشة في قلوبنا؟
لماذا نشعر أننا بعيدين عن الله عز وجل؟
لماذا لا نستشعر حلاوة الإيمان؟
لماذا جفت أعيننا عن البكاء من خشية الله؟
لماذا تمر علينا العبر والعظات وعيوننا جامدة كأننا جمادات وأحجار؟
هذه الكلمات هي مجمل الإجابة..
والإجمال يحتاج إلى تفصيل..
فنقف معاً على عجالة في هذه الرسالة على تفصيلٍ حول عبادة من أجلِّ العبادات..
عبادة حُرم منها الكثيرون.. وغفل عنها الكثيرون إلا من رحم الله..
عبادة.. لو علم الخلق فضلها لما كان حالهم كما ترى..
إنها عبادة البكاء من خشية الله عز وجل.. وما أعظمها من عبادة!
نقف وقفات مع هذه العبادة العظيمة..
وقفة.. نعلم فيها فضل البكاء من خشية الله وثمراته..
ووقفة أخرى.. نعلم فيها السبب في جفاف أعيننا عن البكاء من خشية الله..
ووقفة ثالثة هي لُبُّ الموضوع.. نعلم فيها السبل الميسرة للبكاء من خشية الله عز وجل ..
ثم وقفتنا الأخيرة.. نتأمل فيها أحوال البكَّائين وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.. لعلنا نقتدي بهم ونتأسى بهديهم..
هذا.. ونسأل الله أن يجعلنا من الطائعين، وألا يحرمنا لذة الطاعة، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وألا يجعلنا ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.. نعوذ بالله من الخذلان.
ربيع الآخر 1425هـ/ يونيه 2004م
/
الوقفة الأولى: فضل البكاء من خشية الله وثمراته
1. الباكون من خشية الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..)، وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
فيوم يشتد الكرب على الخلق، وتدنو الشمس من الرءوس، ويغرق الناس في عرقهم، يكون الباكون من خشية الله ضمن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
2. الباكون من خشية الله لا يدخلون النار، بل ولا تمسهم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضّرْع).
فكما أن رجوع اللبن في الضرع بعد حلبه أمر يستحيل وقوعه فكذلك دخول الباكين من خشية الله النار أمر يستحيل وقوعه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار..)، وذكر منهما: (عين بكت من خشية الله).
3. الباكون من خشية الله يفوزون بحب الله تعالى لهم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين..)، وذكر من القطرتين: (قطرة دموع من خشية الله تعالى).
فاللهم ارزقنا حبك ولا تحرمنا فنكون من الخاسرين.
4. الباكون من خشية الله يفوزون بشجرة طوبى في الجنة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته).
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم شجرة طوبى فقال: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها).
5. الباكون من خشية الله يفوزون بكونهم طائعين للنبيe في أمره بالبكاء:
سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما النجاة؟، قالe: (أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
فمن امتثل هذا الأمر فاز بشرف طاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
6. الباكون من خشية الله يحظون بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه:
وأنعم به من شرف فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده البكاء من خشية الله كما سنعلم في الوقفة الرابعة بإذن الله تعالى.
7. الباكون من خشية الله يحظون بالاقتداء بالأنبياء الذين أنعم الله عليهم:
قال تعالى: )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا( [(58) سورة مريم].
تُتلَى عليهم آيات الله، فتَلقى الآيات قلوبَ أفضل البشر..
تخر القلوب ساجدة..
ثم تهوى الأبدان..
تلامس الهامات الثرى..
و.. تسيل دموع الشوق والمحبة والإجلال.. ودموع الخوف والخشية..
فاللهم )اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ( [(6، 7) سورة الفاتحة].
8. الباكون من خشية الله يزيدهم الله إيماناً:
فمعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والبكاء من خشية الله من أشرف الطاعات وأحبها إلى الله ولها أثرها البين في زيادة الإيمان.
9. الباكون من خشية الله يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ويجعل لهم المخرج من كل ضيق:
قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(
[(2-3) سورة الطلاق].
10. الباكون من خشية الله يجعل الله لهم من أمرهم يسراً:
قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا( [(4) سورة الطلاق].
11. الباكون من خشية الله يتذكرون بكاءهم في الدنيا وخوفهم من ربهمU بعد دخولهم الجنة:
فما أعظمها من لذة وما أجمله من موقف ذلك الذي حكاه الله عنهم، قال تعالى: )وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ، قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(
[(25-28) سورة الطور].
الوقفة الثانية: السبب في جفاف العين عن البكاء
بعد أن وقفنا على فضل البكاء من خشية الله، لماذا نجد أن عيوننا ما زالت جامدة وكأن الموعظة لم تؤثر فيها إلا من رحم الله؟
إنه الداء العضال عباد الله.. الداء الذي يستحق المصاب به أن يعاقبه الله في الدنيا والآخرة..
إنه داء المعصية..
فالمعصية حائل بين العين وبين البكاء، فمن آثار المعاصي والذنوب:
1. الوحشة التي يجدها العاصي في قلبه..
يجد وحشة بينه وبين الله..
وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة..
والله إنها لوحشة لو اجتمعت لها لذات الدنيا بأسرها ما حرَّكت منها شيئاً..
نسأل الله العافية..
2. الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه..
وهذه الظلمة ليست مجازاً أو تشبيهاً..
إنها ظلمة حقيقية يحس بها العاصي كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم..
فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة..
وتقوى هذه الظلمة في القلب حتى تظهر على العين..
فإذا ظهرت على العين جف الدمع، وقست العين..
ثم تقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سواداً يراه الناس..
فما أقبح المعاصي وأدنسها!
قال ابن عباس رضي الله عنه: (إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق).
3. توهن القلب وتمرضه..
فيصير القلب مريضاً ضعيفاً..
ولكن المعصية لا تتوقف.. توهن القلب أكثر وأكثر، وتمرضه أكثر وأكثر حتى..
حتى يموت القلب..
فيصبح القلب ميتاً أسودَ مربادّاً.. نعوذ بالله من ذلك.
4. تطبع على قلب صاحبها حتى يصير من الغافلين، فقد قال تعالى: )كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( [(14) سورة المطففين].
فالقلب يصدأ من المعصية كما يصدأ الحديد..
فإذا زادت المعصية غلب الصدأ..
ويزيد الصدأ ويزيد حتى يصير راناً..
ثم يغلب حتى يصير قفلاً على القلب..
قال تعالى: )أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( [(24) سورة محمد]..
فيصير القلب في غشاوة، فيتولاه الشيطان ويسوقه حيث أراد..
وللمعاصي آثار أخرى في الدنيا والآخرة ينبغي لطالب النجاة أن يقف عليها ويتأملها حتى يكون على حذر، ومن أفضل ما كتب في ذلك كتاب [الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي] للإمام ابن القيم، و[تحذير الداني والقاصي من آثار الذنوب والمعاصي] للشيخ أحمد فريد حفظه الله، فمن أراد الاستزادة فليراجعهما.
الوقفة الثالثة:
السبل الميسرة للبكاء من خشية الله عز وجل
ما أشد قسوة قلوبنا..
ما أضعفنا في طريق السالكين إلا من رحم الله..
لقد كان السلف يبكون من خشية الله، وتفيض أعينهم من الدمع، شوقاً له وحباً دون أن يحصوا الأسباب الميسرة للبكاء من خشية الله، أو يرقموها، ويحفظوها..
كانت أنهار الدموع المخلصة لا تتوقف من مآقيهم..
استشعروا حلاوة الإيمان، وذاقوها، واستمتعوا بالبكاء من خشية الله دون أن يحصوا سبله، ولكنهم طهرت قلوبهم فتفضل المنان عليهم وفتح عليهم من أبواب بركته وفضله، نسال الله أن يفتح علينا..
استمع إلى أحد السلف وهو يقول: (مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها) يقصد حلاوة الإيمان..
واستمع إلى آخر وهو يقول: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف)..
ولكن حال المرضى أمثالنا -إلا من رحم الله- أن يبحثوا عن الأسباب المعينة والجالبة للبكاء من خشية الله..
يبحثوا عن الدواء بعد أن ملأ الداء القلب واستشرى في البدن..
ولا يكفي علم هذه السبل دون العمل بها، فعلمها دون العمل بها قد يستوي فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر..
فلا تقرأ هذه السبل إن كنت تنوي غير العمل بها، فقد كان سفيان الثوري يقول: (قالت لي والدتي: يا بني، لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة).
فهيا.. واستعن بالله تعالى..
1. الإخلاص لله عز وجل في البكاء، بل وفي الرغبة في البكاء:
قال تعالى: )وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء( [(5) سورة البينة].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).
فاسأل نفسك عبد الله لماذا تبكي؟ ولماذا تريد أن تبكي؟
هل تقصد بذلك وجه الله تعالى؟ أم من أجل أن يقول الناس باكٍ.. تقيّ.. خاشع؟
هل تريد بذلك ثواب الله أم ثواب الناس؟
اعلم أن البكاء من خشية الله عبادة من العبادات، فإن خلصت فيه النية قُبل، وزكا، ونمت بركته..
وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط، وضاع، وخسرت صفقته..
ولا يخدعنك الشيطان فتظن أنك كامل الإخلاص كبعض الجهال من أهل زماننا إذا سمع أحدهم مَن يتحدث عن الرياء والعجب ظن أنه بمنأى عن ذلك..
لا تكن كذلك فتكون كالمريض الذي يُخدِّر موضع الألم حتى إذا ضاع الشعور به ظن أنه قد شفي وأن المرض انتهي ولا يشعر أن المرض يقرض جسده قرضاً..
واعلم -أخي- أن الإخلاص عزيز..
قال أحد السلف: (أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر).
وكان من دعاء بعض السلف: (اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت).
فاحذر أن تكون منافقاً وأنت لا تشعر، مرائياً من حيث لا تعلم.
هذا هو الحسن البصري التابعي العالم العابد يقول لنفسه التي بين جنبيه: (تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين المنافقين المرائين، والله ما هذه صفات المخلصين)، وهو مَن هو!
وهذا يوسف بن أسباط يقول: (ما حاسبت نفسي قط إلا وظهر لي أنني مراءٍ خالص).
وإليك قول من لُقِّب بعابد الحرمين.. الفضيل بن عياض.. كان يقول عن قول الله تعالى )لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ( [(8) سورة الأحزاب]: (إذا كان يسأل الصادقين عن صدقهم مثل إسماعيل وعيسى عليهما السلام، فكيف بالكاذبين أمثالنا؟) فبماذا ننعت أنفسنا؟
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطابt: (من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله).
فما علامات الإخلاص في البكاء من خشية الله؟
أولاً: ألا تجد في نفسك محبةَ أن يمدحك الناس لبكائك أو يُثنوا عليك.
فإن أصابك هذا المرض ووجدت في نفسك حب مدح الناس لك والثناء عليك، فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية، ثم تبلع الإجابات بماء الإخلاص:
س: هل سينفعك العباد بشيء يوم القيامة؟
س: هل سيقف معك أثناء العرض على الله من مدحك ليمدحك أمام الله ويدافع عنك؟
س: ثم هل تعلم أن الممدوح عند الناس قد يكون من شر الناس عند الله؟، فمدح الناس لك ليس مقياساً لقبول طاعاتك.
فلا تنشغل بمدح الناس أو ثنائهم فتتعب نفسك وتضر دينك ويحبط عملك كله.
ثانياً: ألا تجد في قلبك عجباً بطاعتك:
فقد يبتعد الباكي عن أعين الناس، أو يداريه عنهم طلباً للإخلاص ولكن يتسرب العجب بالعمل إلى نفسه ويرى أنه قد عمل شيئاً عظيماً.
فإن أصابك هذا المرض -وهو العجب بالطاعة- فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية أيضاً، وتفعل بها كسابقتها:
س: من صاحب الفضل عليك في هذا الأمر؟
س: من الذي رزقك شرف البكاء من خشيته؟
س: هل المعقول فيمن يُعطى شيئاً لم يخترعه أو يصنعه أن يعجب به أم يبادر بشكر المعطي على تفضله وإنعامه؟
س: ثم هل تضمن حالك غداً؟
س: هل تضمن أنك ستستمر على الطاعة؟
س: هل تعلم أيختم لك بالخير أم بالشر؟
س: فهل يعقل أن تعجب بعمل أنت في شك من دوامه؟
نسأل الله الثبات.
ثالثاً: ألا تجد في قلبك استصغاراً للآخرين أو احتقاراً لهم لأنك صاحب طاعة لم ينالوا شرفها.
فإن أصابك هذا المرض -وهو احتقار الآخرين- فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية ثم تلحقها بسابقتها:
س: هل تعلم أن من تزدريه قد يكون أتقى لله منك وأطهر قلباً وأخلص نية وأزكى عملاً؟
س: هل تضمن أن الله قد قبل منك طاعة البكاء من خشيته؟
س: هل تعلم أن الله لعله قبل من هذا الرجل عملاً فأدخله به الجنة، وأنت قد تكون لم يقبل منك صرفاً ولا عدلاً؟
فإن أجبت على هذه الأسئلة وتخلصت من أمراض الإخلاص المذكورة فلا تظن أنك قد حققت الإخلاص، فتكون كالمريض الذي أخذ الدواء فظن أنه قد شفي.
اتهم نفسك دائماً.. واحذر أن تكون مرائياً من حيث لا تعلم.
واعلم أن من ادعى أنه حقق الإخلاص فهو رأس المرائين نعوذ بالله من ذلك.
2. الدعاء:
قال تعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ( [(60) سورة غافر].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة).
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل أن يعينه على الطاعة، فقد كان من ذكره دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فادع الله عز وجل أن يلين قلبك، وأن يرزقك نعمة البكاء من خشيته، واغتنم أوقات الاستجابة وأحوالها: كوقت السحر، وساعة الجمعة وهي آخر ساعة بعد العصر قبل صلاة المغرب، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وفي السفر، وأثناء الصيام، ووقت الإفطار، وغيرها من أوقات وأحوال الاستجابة.
3. السعي لتحصيل حلاوة الإيمان:
فإن من ثمرات حلاوة الإيمان البكاء من خشية الله (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال تحصيل حلاوة الإيمان فقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
فحب الله عز وجل يجلب حلاوة الإيمان، فكيف نحب الله عز وجل؟
نحب الله بمطالعة أسمائه وصفاته، وآثار فضله وإنعامه على خلقه، ورحمته بهم، ونحبه بقراءة كلامه -وهو القرآن- بتدبر، والتقرب إلى الله بالنوافل، ودوام الذكر بالقلب واللسان، ونحبه بالخلوة به وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل لمناجاته وتلاوة كلامه، ونحبه بطاعته فيما أمر به والابتعاد عما نهى عنه.
وحب النبي صلى الله عليه وسلم يجلب حلاوة الإيمان، فكيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟
نحبه بمطالعة سيرته، ومعرفة شمائله وأخلاقه، والتشبه به في الظاهر والباطن، وطاعته فيما أمر به، والابتعاد عما نهى عنه.
وكذلك حب عباد الله الصالحين حباً مجرداً من أغراض الدنيا (لا يحبه إلا لله) يجلب حلاوة الإيمان.
وبغض الكفر بمعرفة مظاهره، وصور الشرك، وعواقب الكفر للحذر منه، ومعاداة الكفار والبراء منهم.. كل ذلك يجلب حلاوة الإيمان.
فاحرص على ذلك تكن من الراشدين بإذن الله.
4. تعلُّم العلم الشرعي، وخصوصاً علم العقيدة:
قال تعالى: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( [(28) سورة فاطر].
وقال تعالى: )قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا( [(107- 109) سورة الإسراء].
وقال أحد السلف في تفسير هذه الآية: (من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علماً ينفع، لأن الله نعت العلماء فقال: )قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ.. (الآية).
فالعلم الشرعي يورث في القلب خشية ورهبة..
وعلم العقيدة والتوحيد خصوصاً يزيد الإيمان ويورث في القلب ما لا يورثه غيره من العلوم.
فاحرص على تعلم علم العقيدة، وأنصحك بأن تقرأ كتابي [منة الرحمن] و[العبودية] للشيخ ياسر برهامي، وكتاب [عقيدة المؤمن] للشيخ أبي بكر الجزائري، وكتاب [العقيدة في ضوء الكتاب والسنة] للشيخ عمر سليمان الأشقر.
.
البُكَاء
من خشية الله عز وجل
( فضل البكاء من خشية الله عز وجل - السبب في جفاف العين عن البكاء - السبل الميسرة للبكاء من خشية الله - من أحوال البكّائين)جمع وترتيب:
أبو الفرج المصري
براحة الدورات الشرعية والبحوث العلمية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
فإن الطاعة توجب القرب من الله سبحانه وتعالى..
وكلما ازداد القرب من الله قوي الأنس به..
والعكس صحيح.. فالمعصية توجب البعد عن الله سبحانه وتعالى..
وكلما ازداد البعد عن الله قويت الوحشة..
هذه الكلمات هي مجمل الإجابة على أسئلة الكثيرين:
لماذا نشعر بقسوة ووحشة في قلوبنا؟
لماذا نشعر أننا بعيدين عن الله عز وجل؟
لماذا لا نستشعر حلاوة الإيمان؟
لماذا جفت أعيننا عن البكاء من خشية الله؟
لماذا تمر علينا العبر والعظات وعيوننا جامدة كأننا جمادات وأحجار؟
هذه الكلمات هي مجمل الإجابة..
والإجمال يحتاج إلى تفصيل..
فنقف معاً على عجالة في هذه الرسالة على تفصيلٍ حول عبادة من أجلِّ العبادات..
عبادة حُرم منها الكثيرون.. وغفل عنها الكثيرون إلا من رحم الله..
عبادة.. لو علم الخلق فضلها لما كان حالهم كما ترى..
إنها عبادة البكاء من خشية الله عز وجل.. وما أعظمها من عبادة!
نقف وقفات مع هذه العبادة العظيمة..
وقفة.. نعلم فيها فضل البكاء من خشية الله وثمراته..
ووقفة أخرى.. نعلم فيها السبب في جفاف أعيننا عن البكاء من خشية الله..
ووقفة ثالثة هي لُبُّ الموضوع.. نعلم فيها السبل الميسرة للبكاء من خشية الله عز وجل ..
ثم وقفتنا الأخيرة.. نتأمل فيها أحوال البكَّائين وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.. لعلنا نقتدي بهم ونتأسى بهديهم..
هذا.. ونسأل الله أن يجعلنا من الطائعين، وألا يحرمنا لذة الطاعة، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وألا يجعلنا ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.. نعوذ بالله من الخذلان.
ربيع الآخر 1425هـ/ يونيه 2004م
/
الوقفة الأولى: فضل البكاء من خشية الله وثمراته
1. الباكون من خشية الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..)، وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
فيوم يشتد الكرب على الخلق، وتدنو الشمس من الرءوس، ويغرق الناس في عرقهم، يكون الباكون من خشية الله ضمن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
2. الباكون من خشية الله لا يدخلون النار، بل ولا تمسهم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضّرْع).
فكما أن رجوع اللبن في الضرع بعد حلبه أمر يستحيل وقوعه فكذلك دخول الباكين من خشية الله النار أمر يستحيل وقوعه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار..)، وذكر منهما: (عين بكت من خشية الله).
3. الباكون من خشية الله يفوزون بحب الله تعالى لهم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين..)، وذكر من القطرتين: (قطرة دموع من خشية الله تعالى).
فاللهم ارزقنا حبك ولا تحرمنا فنكون من الخاسرين.
4. الباكون من خشية الله يفوزون بشجرة طوبى في الجنة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته).
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم شجرة طوبى فقال: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها).
5. الباكون من خشية الله يفوزون بكونهم طائعين للنبيe في أمره بالبكاء:
سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما النجاة؟، قالe: (أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
فمن امتثل هذا الأمر فاز بشرف طاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
6. الباكون من خشية الله يحظون بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه:
وأنعم به من شرف فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده البكاء من خشية الله كما سنعلم في الوقفة الرابعة بإذن الله تعالى.
7. الباكون من خشية الله يحظون بالاقتداء بالأنبياء الذين أنعم الله عليهم:
قال تعالى: )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا( [(58) سورة مريم].
تُتلَى عليهم آيات الله، فتَلقى الآيات قلوبَ أفضل البشر..
تخر القلوب ساجدة..
ثم تهوى الأبدان..
تلامس الهامات الثرى..
و.. تسيل دموع الشوق والمحبة والإجلال.. ودموع الخوف والخشية..
فاللهم )اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ( [(6، 7) سورة الفاتحة].
8. الباكون من خشية الله يزيدهم الله إيماناً:
فمعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والبكاء من خشية الله من أشرف الطاعات وأحبها إلى الله ولها أثرها البين في زيادة الإيمان.
9. الباكون من خشية الله يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ويجعل لهم المخرج من كل ضيق:
قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ(
[(2-3) سورة الطلاق].
10. الباكون من خشية الله يجعل الله لهم من أمرهم يسراً:
قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا( [(4) سورة الطلاق].
11. الباكون من خشية الله يتذكرون بكاءهم في الدنيا وخوفهم من ربهمU بعد دخولهم الجنة:
فما أعظمها من لذة وما أجمله من موقف ذلك الذي حكاه الله عنهم، قال تعالى: )وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ، قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(
[(25-28) سورة الطور].
الوقفة الثانية: السبب في جفاف العين عن البكاء
بعد أن وقفنا على فضل البكاء من خشية الله، لماذا نجد أن عيوننا ما زالت جامدة وكأن الموعظة لم تؤثر فيها إلا من رحم الله؟
إنه الداء العضال عباد الله.. الداء الذي يستحق المصاب به أن يعاقبه الله في الدنيا والآخرة..
إنه داء المعصية..
فالمعصية حائل بين العين وبين البكاء، فمن آثار المعاصي والذنوب:
1. الوحشة التي يجدها العاصي في قلبه..
يجد وحشة بينه وبين الله..
وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة..
والله إنها لوحشة لو اجتمعت لها لذات الدنيا بأسرها ما حرَّكت منها شيئاً..
نسأل الله العافية..
2. الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه..
وهذه الظلمة ليست مجازاً أو تشبيهاً..
إنها ظلمة حقيقية يحس بها العاصي كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم..
فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة..
وتقوى هذه الظلمة في القلب حتى تظهر على العين..
فإذا ظهرت على العين جف الدمع، وقست العين..
ثم تقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سواداً يراه الناس..
فما أقبح المعاصي وأدنسها!
قال ابن عباس رضي الله عنه: (إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق).
3. توهن القلب وتمرضه..
فيصير القلب مريضاً ضعيفاً..
ولكن المعصية لا تتوقف.. توهن القلب أكثر وأكثر، وتمرضه أكثر وأكثر حتى..
حتى يموت القلب..
فيصبح القلب ميتاً أسودَ مربادّاً.. نعوذ بالله من ذلك.
4. تطبع على قلب صاحبها حتى يصير من الغافلين، فقد قال تعالى: )كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( [(14) سورة المطففين].
فالقلب يصدأ من المعصية كما يصدأ الحديد..
فإذا زادت المعصية غلب الصدأ..
ويزيد الصدأ ويزيد حتى يصير راناً..
ثم يغلب حتى يصير قفلاً على القلب..
قال تعالى: )أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( [(24) سورة محمد]..
فيصير القلب في غشاوة، فيتولاه الشيطان ويسوقه حيث أراد..
وللمعاصي آثار أخرى في الدنيا والآخرة ينبغي لطالب النجاة أن يقف عليها ويتأملها حتى يكون على حذر، ومن أفضل ما كتب في ذلك كتاب [الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي] للإمام ابن القيم، و[تحذير الداني والقاصي من آثار الذنوب والمعاصي] للشيخ أحمد فريد حفظه الله، فمن أراد الاستزادة فليراجعهما.
الوقفة الثالثة:
السبل الميسرة للبكاء من خشية الله عز وجل
ما أشد قسوة قلوبنا..
ما أضعفنا في طريق السالكين إلا من رحم الله..
لقد كان السلف يبكون من خشية الله، وتفيض أعينهم من الدمع، شوقاً له وحباً دون أن يحصوا الأسباب الميسرة للبكاء من خشية الله، أو يرقموها، ويحفظوها..
كانت أنهار الدموع المخلصة لا تتوقف من مآقيهم..
استشعروا حلاوة الإيمان، وذاقوها، واستمتعوا بالبكاء من خشية الله دون أن يحصوا سبله، ولكنهم طهرت قلوبهم فتفضل المنان عليهم وفتح عليهم من أبواب بركته وفضله، نسال الله أن يفتح علينا..
استمع إلى أحد السلف وهو يقول: (مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها) يقصد حلاوة الإيمان..
واستمع إلى آخر وهو يقول: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف)..
ولكن حال المرضى أمثالنا -إلا من رحم الله- أن يبحثوا عن الأسباب المعينة والجالبة للبكاء من خشية الله..
يبحثوا عن الدواء بعد أن ملأ الداء القلب واستشرى في البدن..
ولا يكفي علم هذه السبل دون العمل بها، فعلمها دون العمل بها قد يستوي فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر..
فلا تقرأ هذه السبل إن كنت تنوي غير العمل بها، فقد كان سفيان الثوري يقول: (قالت لي والدتي: يا بني، لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة).
فهيا.. واستعن بالله تعالى..
1. الإخلاص لله عز وجل في البكاء، بل وفي الرغبة في البكاء:
قال تعالى: )وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء( [(5) سورة البينة].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).
فاسأل نفسك عبد الله لماذا تبكي؟ ولماذا تريد أن تبكي؟
هل تقصد بذلك وجه الله تعالى؟ أم من أجل أن يقول الناس باكٍ.. تقيّ.. خاشع؟
هل تريد بذلك ثواب الله أم ثواب الناس؟
اعلم أن البكاء من خشية الله عبادة من العبادات، فإن خلصت فيه النية قُبل، وزكا، ونمت بركته..
وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط، وضاع، وخسرت صفقته..
ولا يخدعنك الشيطان فتظن أنك كامل الإخلاص كبعض الجهال من أهل زماننا إذا سمع أحدهم مَن يتحدث عن الرياء والعجب ظن أنه بمنأى عن ذلك..
لا تكن كذلك فتكون كالمريض الذي يُخدِّر موضع الألم حتى إذا ضاع الشعور به ظن أنه قد شفي وأن المرض انتهي ولا يشعر أن المرض يقرض جسده قرضاً..
واعلم -أخي- أن الإخلاص عزيز..
قال أحد السلف: (أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر).
وكان من دعاء بعض السلف: (اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت).
فاحذر أن تكون منافقاً وأنت لا تشعر، مرائياً من حيث لا تعلم.
هذا هو الحسن البصري التابعي العالم العابد يقول لنفسه التي بين جنبيه: (تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين المنافقين المرائين، والله ما هذه صفات المخلصين)، وهو مَن هو!
وهذا يوسف بن أسباط يقول: (ما حاسبت نفسي قط إلا وظهر لي أنني مراءٍ خالص).
وإليك قول من لُقِّب بعابد الحرمين.. الفضيل بن عياض.. كان يقول عن قول الله تعالى )لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ( [(8) سورة الأحزاب]: (إذا كان يسأل الصادقين عن صدقهم مثل إسماعيل وعيسى عليهما السلام، فكيف بالكاذبين أمثالنا؟) فبماذا ننعت أنفسنا؟
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطابt: (من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله).
فما علامات الإخلاص في البكاء من خشية الله؟
أولاً: ألا تجد في نفسك محبةَ أن يمدحك الناس لبكائك أو يُثنوا عليك.
فإن أصابك هذا المرض ووجدت في نفسك حب مدح الناس لك والثناء عليك، فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية، ثم تبلع الإجابات بماء الإخلاص:
س: هل سينفعك العباد بشيء يوم القيامة؟
س: هل سيقف معك أثناء العرض على الله من مدحك ليمدحك أمام الله ويدافع عنك؟
س: ثم هل تعلم أن الممدوح عند الناس قد يكون من شر الناس عند الله؟، فمدح الناس لك ليس مقياساً لقبول طاعاتك.
فلا تنشغل بمدح الناس أو ثنائهم فتتعب نفسك وتضر دينك ويحبط عملك كله.
ثانياً: ألا تجد في قلبك عجباً بطاعتك:
فقد يبتعد الباكي عن أعين الناس، أو يداريه عنهم طلباً للإخلاص ولكن يتسرب العجب بالعمل إلى نفسه ويرى أنه قد عمل شيئاً عظيماً.
فإن أصابك هذا المرض -وهو العجب بالطاعة- فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية أيضاً، وتفعل بها كسابقتها:
س: من صاحب الفضل عليك في هذا الأمر؟
س: من الذي رزقك شرف البكاء من خشيته؟
س: هل المعقول فيمن يُعطى شيئاً لم يخترعه أو يصنعه أن يعجب به أم يبادر بشكر المعطي على تفضله وإنعامه؟
س: ثم هل تضمن حالك غداً؟
س: هل تضمن أنك ستستمر على الطاعة؟
س: هل تعلم أيختم لك بالخير أم بالشر؟
س: فهل يعقل أن تعجب بعمل أنت في شك من دوامه؟
نسأل الله الثبات.
ثالثاً: ألا تجد في قلبك استصغاراً للآخرين أو احتقاراً لهم لأنك صاحب طاعة لم ينالوا شرفها.
فإن أصابك هذا المرض -وهو احتقار الآخرين- فالعلاج أن تجيب على الأسئلة التالية ثم تلحقها بسابقتها:
س: هل تعلم أن من تزدريه قد يكون أتقى لله منك وأطهر قلباً وأخلص نية وأزكى عملاً؟
س: هل تضمن أن الله قد قبل منك طاعة البكاء من خشيته؟
س: هل تعلم أن الله لعله قبل من هذا الرجل عملاً فأدخله به الجنة، وأنت قد تكون لم يقبل منك صرفاً ولا عدلاً؟
فإن أجبت على هذه الأسئلة وتخلصت من أمراض الإخلاص المذكورة فلا تظن أنك قد حققت الإخلاص، فتكون كالمريض الذي أخذ الدواء فظن أنه قد شفي.
اتهم نفسك دائماً.. واحذر أن تكون مرائياً من حيث لا تعلم.
واعلم أن من ادعى أنه حقق الإخلاص فهو رأس المرائين نعوذ بالله من ذلك.
2. الدعاء:
قال تعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ( [(60) سورة غافر].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة).
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل أن يعينه على الطاعة، فقد كان من ذكره دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فادع الله عز وجل أن يلين قلبك، وأن يرزقك نعمة البكاء من خشيته، واغتنم أوقات الاستجابة وأحوالها: كوقت السحر، وساعة الجمعة وهي آخر ساعة بعد العصر قبل صلاة المغرب، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وفي السفر، وأثناء الصيام، ووقت الإفطار، وغيرها من أوقات وأحوال الاستجابة.
3. السعي لتحصيل حلاوة الإيمان:
فإن من ثمرات حلاوة الإيمان البكاء من خشية الله (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال تحصيل حلاوة الإيمان فقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
فحب الله عز وجل يجلب حلاوة الإيمان، فكيف نحب الله عز وجل؟
نحب الله بمطالعة أسمائه وصفاته، وآثار فضله وإنعامه على خلقه، ورحمته بهم، ونحبه بقراءة كلامه -وهو القرآن- بتدبر، والتقرب إلى الله بالنوافل، ودوام الذكر بالقلب واللسان، ونحبه بالخلوة به وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل لمناجاته وتلاوة كلامه، ونحبه بطاعته فيما أمر به والابتعاد عما نهى عنه.
وحب النبي صلى الله عليه وسلم يجلب حلاوة الإيمان، فكيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟
نحبه بمطالعة سيرته، ومعرفة شمائله وأخلاقه، والتشبه به في الظاهر والباطن، وطاعته فيما أمر به، والابتعاد عما نهى عنه.
وكذلك حب عباد الله الصالحين حباً مجرداً من أغراض الدنيا (لا يحبه إلا لله) يجلب حلاوة الإيمان.
وبغض الكفر بمعرفة مظاهره، وصور الشرك، وعواقب الكفر للحذر منه، ومعاداة الكفار والبراء منهم.. كل ذلك يجلب حلاوة الإيمان.
فاحرص على ذلك تكن من الراشدين بإذن الله.
4. تعلُّم العلم الشرعي، وخصوصاً علم العقيدة:
قال تعالى: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( [(28) سورة فاطر].
وقال تعالى: )قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا( [(107- 109) سورة الإسراء].
وقال أحد السلف في تفسير هذه الآية: (من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علماً ينفع، لأن الله نعت العلماء فقال: )قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ.. (الآية).
فالعلم الشرعي يورث في القلب خشية ورهبة..
وعلم العقيدة والتوحيد خصوصاً يزيد الإيمان ويورث في القلب ما لا يورثه غيره من العلوم.
فاحرص على تعلم علم العقيدة، وأنصحك بأن تقرأ كتابي [منة الرحمن] و[العبودية] للشيخ ياسر برهامي، وكتاب [عقيدة المؤمن] للشيخ أبي بكر الجزائري، وكتاب [العقيدة في ضوء الكتاب والسنة] للشيخ عمر سليمان الأشقر.
.