الشيخ أحمد جودة
08-23-2006, 10:35 PM
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه . أما بعد
فإذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، و الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة ، و أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ، و الرؤيا تحدث للمؤمن و الكافر ، و قد تصدق رؤيا الكافر أحياناً و على جهة الندرة كما صدقت رؤيا عزيز مصر ، و قد قال له الناس أضغاث أحلام و ما نحن بتأويل الأحلام بعالمين . و لم يكن الأمر كذلك فقد فسرها و عبرها نبي الله يوسف – عليه السلام – و رؤيا الأنبياء وحي و حق ، أما رؤى غيرهم فهي على ثلاث صور ، رؤيا من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه ،
و قد رأيت قبل الفجر وأنا نائم بالحرم : مملكة عظيمة البنيان مزخرفة و مزينة ، ورأيت الملوك وهم يقومون على تعميرها و تشييدها بكل همة ، و في المملكة حية خضراء جميلة اللون تسرح و تمرح و تتوغل بلا رادع ولا مانع ، و قد اختلف الناس في أسباب وجود الحية ، فالبعض ذكر أنها دخلت خفية و سراً دون علم الملك ، إذ لابد من إحسان الظن به ، ثم الملك هو الذي يقوم على تعمير البلاد ، فهل يعقل أن يأتى هو بحية تدمر ما بناه و تقضى على الأخضر و اليابس ، فهذا ما لا يفعله عاقل فضلاً عن مسلم ، و ذكرت طائفة أخرى أن الملك قد استكره على دخول الحية إلى المملكة ولا حيلة له في دفعها ، أما الطائفة الثالثة فقد ذكرت أمراً غريباً يدعو إلى الدهشة ، فقد رأوا الملك يغذى الحية و يعانقها و يقبلها !! كما رأيت أيضاً في منامي صوراً مختلفة في التعامل مع الحية ، فالبعض رافض لوجودها و هذا لا يستغرب ، و لكن العجيب أن فريقاً من الناس يرى استحالة وجود المملكة بدون الحية فملمسها ناعم و شكلها جميل ، و الفريق الثالث رأى أن ما رآه الملك مصلحة فلا معارضة له ، فالملك عنده نظر و له اجتهاد في تدبير أحوال المملكة و القيام على استقرارها ورخائها !!
واستيقظت من نومي و تناولت السحور ، و ذهبت لتأدية صلاة الفجر بالمسجد الحرام و أنا مهموم مشغول بهذه الرؤيا هل هي حديث نفس نتيجة أوضاع و ظروف و مشاهدات عكرت على صفوي كالتعاملات الربوية و مشاهد العرى و الخلاعة و التبرج و تمكين العلمانيين اللادينيين من رقاب البلاد و العباد و التهاون في قضايا المسلمين المسحوقين هنا و هناك و موالاة أعداء الإسلام وإعانتهم على كفرهم و ضلالهم واستلابهم لديار المسلمين ...... و أنا أعلم أن الرؤى ليست من أدلة استنباط الأحكام بل غاية ما فيها أن يستأنس بها ، و التعويل على ما جاء في كتاب الله و في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا من أعظم أوجه افتراق أهل السنة و الجماعة عن الصوفية الذين يعولون على المنانات و الكشوفات و الفتوحات ، و قد وضع الإمام البخاري منهجه و منهج أهل السنة في بداية كتابه الصحيح ، حيث بدأه بكتاب الوحي ، ثم كتاب العلم و الإيمان ليدل على أن العلم و الإيمان لا يعرفان إلا بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد اتفق العلماء على أن من رأى النبي صلى الله عليه و سلم في منامه فقال له هذا اليوم هو أول يوم من رمضان أنه لا يعمل بهذه الرؤيا المنامية إذ مدار الأمر على ثبوت الرؤيا بالعين البصرية فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " سورة البقرة : 185 " " صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته " كما أعلم أيضاً خطورة المسارعة بالاتهام و ترتيب الأحكام على المنامات ، و حادثة اقتحام الحرم وادعاء المهدية ما زالت عالقة بالأذهان ، فقد ذكروا يومها أن الرؤى تواترت بظهور المهدى و بدلاً من ترك الواقع يفسر لنا الأمارات و العلامات ، تعجلوا الأمر فكانت الأحداث الدامية ببلد الله الحرام .
و لست أنا من الأدباء و كتاب القصة ولا أحب أن أنتمي إلى طائفة المثقفين المبدعين و الذين هم إلى الإلحاد و الزندقة أقرب نتيجة جرأتهم و تطاولهم على شرع الله إلا من رحم ربى و قليل ما هم – لقد ظللت منشغلاً بما رأيت و أنا أحسبها رؤيا من الله واضحة الدلالة وإن انطوت على أمور مفزعة ، و رؤى الحق قد تكون منذرة ، كهذه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه و سلم عن غزوة أحد ، فقد رأى ثلماً في سيفه و بقراً تذبح و حصن حصينة ، فأول الثلم برجل من أهل بيته يقتل ( وهو حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه و سلم ورضى الله عنه ) و البقر التي تذبح بنفر من أصحابه يقتلون ( فقتل سبعون من خيرة الله من خلقه ) و الحصن الحصينة هي المدينة ، ورغم ما فيها من أمور محزنة إلا أنها منذرة و القتل وإن تألمت له النفوس إلا أن المسلم المقتول سينتقل شهيد إلى ربه ، و معلوم فضل الشهيد ، و لذلك فهذه الرؤيا لا تخلو من بشارة و لذلك قصها النبي صلى الله عليه و سلم على أصحابه ، و كان يصلى الصبح ثم يسألهم هل رأى منكم أحد البارحة رؤيا و ذلك لتكون تفاصيلها عالقة بذهن من رآها و يقوم النبي صلى الله عليه و سلم بتعبيرها له ،
و قد يكون الواقع أغرب من الخيال
ولا نحتاج معه لتأليف القصص للوعظ و التذكير و يكفينا ما جاء في الكتاب و السنن و التراجم و السير . وأخذ الدروس و العبر من السنن الكونية و الواقع الذي نعيشه ، و قد تختلط أحداث اليقظة مع معاني المنام و يصبح الرمز و التلميح و التعريض دالاً على الحقيقة و المقصود بلا مضرة ولا مفسدة ، و بلا بتر للحقائق و الثوابت ، ولا ينسحب كلامي على مملكة بعينها . فشأن الرؤيا كشأن الحكم لابد من تطبيقها على الواقع المساوي لها بلا إفراط أو تفريط و بلا اعتساف و هوى ، وإلا فقد نطبق الرؤيا على مملكة و غيرها أسوأ منها . و هذه الحية لها أشباه و شواهد كثيرة هنا و هناك و هي ترمز إلى عدو يتربص بالمملكة الدوائر و يريد الفتك بالبلاد و العباد ،
و كما هو معلوم فإن الشيطان لا ينام ، ولو نام لاسترحنا ، و كذلك أولياؤه يعملون ليل نهار لإنفاذ مخططاً بهم للعصف بالإسلام و أهله و قد وصفهم خالقهم وهو العليم بمكرهم – ولا ينبئك مثل خبير فقال سبحانه وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ " سورة البقرة : 217 " و قال يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ " سورة الأنفال : 36 " و لذلك حذرنا جل و علا منهم و من كيدهم فقال وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " سورة هود : 113 " و قال لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ " سورة آل عمران : 118 " و قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " سورة المائدة : 51 " و قال وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ " سورة القلم : 9 " و قال هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ " سورة آل عمران : 119 " .
فموالاة أعداء الإسلام أخطر بكثير من اقتناء الحية ، و كذلك الأمر بالنسبة لسائر الكفريات و الذنوب و المعاصي فغاية ما في الحية أن لدغتها تميت البدن ، أما الانحراف عن منهج الله فهو يميت القلب و هذا أخطر و لذلك كان بعض الصالحين يقول : عجباً لمن يبكى على من مات جسده ولا يبكى على من مات قلبه وهو أشد ، إن الذنوب و المعاصي تدمر البلاد و العباد و تورث الهلكة و الضياع في الدنيا و الآخرة قال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " سورة الإسراء : 16 " و قال وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " سورة هود : 102 " . و لما اعتدى قدار بن سالف على الناقة برضى قومه أهلكهم سبحانه ، قال جل و علا ُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا " سورة الشمس : 14 – 15 " و حرمة المسلم أشد من حرمة ناقة صالح ، و قد دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، و توعد و تهدد سبحانه أهل الطائف و كانوا يصلون و يصومون و لكنهم كانوا يتعاملون بالربا و الربا هو آخر المحرمات في القرآن ، قال تعالى ُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ " سورة البقرة :278 – 279 " وهى حرب لا طاقة لأحد بها ، فكيف إذا كان التعدي لحدود الله أعظم من ذلك
و كأن الملك كان يبنى بيد و يدمر المملكة باليد الأخرى و قد جرت السنن بأن الهدم أسرع من البناء ، فلكي نبنى البناية نحتاج إلى سنة و لكي ندمرها فالأمر قد يتطلب ساعات ، و هذا التناقض المريب ترفضه الشريعة و دستور المملكة كما تأباه العقول السليمة ، ثم الملك في تركه للحية أو إدخاله لها كان هو أول من يخرق النظام و يتعدى على الشريعة و يخرج على الدستور ، و مثل هذا الفعل لو اقترفه أحاد الرعية أو أحد أفراد المملكة لربما قالوا القتل و إقامة الحد . و هذا تناقض آخر ، وهو شبيه بفعل أهل الجاهلية و كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، و كان هذا من أسباب هلكتهم ، و قد اغتر ضعاف البصر و البصيرة بلون الحية الجميل و بملمسها الناعم و تناسوا لدغة السم الزعاف ولا يشفع للأغرار الذين لا يفرقون بين التمرة و الجمرة ، وجود الحية بالمملكة ، حتى لو كان دخولها بإذن الملك ورضاه ، بل بلغ التمادي في الغي أن يقبلها و يقوم على تغذيتها ، إذ المفترض أن يكون تصرفه منوط بالمصلحة ، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الدين و سياسة الدنيا به ، ولا تحقق المصالح في وجود الحية ، فقد أمر الشرع بقتلها في الحل و الحرم و الملك مؤتمن على شئون البلاد و العباد لا يحل له الخيانة قال تعالى ُ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ " سورة النساء : 58 "
و الاستكراه وإن كان يلغى الاختيار و يرفع الإثم و الذنب وهو وارد بالنسبة للملك و الرعية ، و قد نترك بعض الأمور المختارة للمصلحة الراجحة كما في قول النبي صلى الله عليه و سلم لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : " لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لنقضت الكعبة و لأقمتها على قواعد إبراهيم و لجعلت لها باباً يدخل منه الناس و باباً منه يخرجون و الضرورات تبيح المحذورات ، وهى تقدر بقدرها . و قد يضطر الملك و غيره لنوع من المدارة أو لدفع مال للأعداء إذا خيف منهم استئصال الشأفة أو التسلط على النساء و الذرية ........
و قد أبيح ورخص في النطق بكلمة الكفر حال الاستكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وفي الجملة فأحوال الاضطرار تفترق عن حالات الاختيار . كل ذلك شئ و ما يحدث في المملكة شئ آخر ، فالملك عنده قدرة و استطاعة و تمكين و أعوان على الخير و الهدى ، و دخول الحية المشبوه و تغذيتها وإظهار الرضا عنها في كثير من المناسبات ينفي القول بأن الملك مستكره ، و لو قدر ذلك في صورة فلا ينفي مسئوليته عن بقية صور الشر و الفساد و الأذى الذي تلحقه الحية بالمملكة بل و يتضح ذلك بجلاء عندما هم البعض بالإنكار على الحية فرماها بحجر ، فاستنفر الملك أشد الاستنفار ورماهم بالتطرف و الضلال و الإفساد في الأرض و هؤلاء المساكين أشفقوا على أنفسهم و على المملكة بل و على الملك من خطورة الحية فهي توشك أن تلتهم الأخضر و اليابس ، و لن يسلم حتى الملك من آذاها ، و السنن الشرعية و الكونية جارية بذلك الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " سورة الزخرف : 67 " و ليس من طلب الحق فأخطئه كمن طلب الباطل فأصابه ، فإن هؤلاء النفر لما قاموا برمي الحية بالحجر استفزوها و استثاروها ، و كانت عداوتها بادية قبل ذلك و توغلها في البلاد يزداد حدة و شراسة يوماً بعد يوم ، و لو منعت الحية من دخول المملكة لما حدث هذا الذي حدث ، و لما وجد المبرر للرمي بالحجارة و إغضاب الملك و تأليب الرعية ، و لكن لا ندرى لماذا الإصرار على وجود الحية ، و هل العناد في ذلك من لوازم هيبة الملك ، و أي هيبة تحدث لمن عصى مالك الملك و ملك الملوك سبحانه .
كان الحسن يقول : فإنهم وإن طقطقت بهم البغال و هملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه . و كان أبو بكر رضى الله عنه يقول للناس " أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " ، و قال عمر – رضى الله عنه - : فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ، و الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، و لأن أكون ذنباً في الحق خير من أكون رأساً في الباطل ، و علماء المملكة هم الأدلاء على الخير ، و هم نجوم يقتدي و يهتدي بها في ظلمات الفتن و عند التباس الأمور ، ورغم تقصير الملك الواضح و الظاهر تجاه الحية إلا أنهم لا يكفرونه ولا يرون الخروج عليه ولا عزله ، إذ قد ورد في حديث عبادة بن الصامت – رضى الله عنه – بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في العسر و اليسر و المنشط و المكره و على أثرة علينا و على أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان و على أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم فإذا أتى الملك ما يستوجب العزل و كانت الاستطاعة على عزله فلابد من نظر في عواقب الأمور ، إذ قد يترتب على عزله مفسدة أعظم ، و قد يتسلط الأعداء على البلاد و العباد ، و قد يأتى من هو أسوأ من الملك ،
و هؤلاء العلماء لا يدخرون وسعاً في إبلاغ الحق للخلق و يدعون للملكة بالأمن و الاستقرار ، كما يدعون للملك بالصلاح و التوفيق لخير البلاد و العباد ، و كان بعض العلماء يقول : لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوت بها للحاكم ، إذ عادة ما تكون الرعية على شاكلة ملوكها " وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " سورة الأنعام : 129 " و كان ابن القيم – يقول : نحن في زمان لا يصلح أن يولى علينا فيه مثل عمر بن عبد العزيز ولا معاوية بن أبى سفيان فضلاً عن الشيخين أبى بكر و عمر ، ولما أراد البعض الخروج على الحجاج قال لهم الحسن أخشى إن قتل الحجاج أن يولى عليكم أشباه القردة و الخنازير ، و قال : الحجاج عقوبة من الله ، و العقوبة لا يغيرها السيف و إنما تغيرها التوبة ، كما أنهم يبصرون المملكة بخطورة الحية ، و أحياناً يتم ذلك تصريحاً و كثيراً ما يتم على جهة التعريض و التلميح بحسب مقتضى الحال و ما يرونه يحقق المصلحة ، و يبدو أنهم يتعرضون أحياناً لظروف الضغط و الاستكراه ، مما يجعل النصائح تبدو على جهة الهمس ، و هذا الأسلوب لا يفهمه عامة أهل المملكة ، بل و قد تزداد به خطورة الحية و يساء الظن بالعلماء و تنتقل المملكة من سئ إلى أسوأ ،
و كان الإمام أحمد يقول : إذا تكلم العالم تقية و الجاهل يجهل متى يتبين الناس الحق ، و هذا لا ينفي قيام أكابر العلماء بالنصح والبيان ليس فقط لعموم الرعية بل يؤدون واجبهم تجاه الملك و حاشيته ، و لكن بطريقة لا تؤلب العامة على الملك ، و هم ينهجون في ذلك منهج أوائلهم فرغم صلاح كثير من الملوك فيما مضى ، لما بدرت منهم بعض الهفوات انتصب لها العلماء الربانيون ، كما فعل أبو حازم مع سليمان بن عبد الملك ، فإنه لما سأل أبا حازم ، يا أبا حازم قل لي : لماذا نكره الموت ، قال : لأنكم عمرتم الدنيا و خربتم الآخرة فتخافون أن تخرجوا من العمران إلى الخراب ، قال : فما لنا عند الله غداً ، قال : اعرض نفسك على كتاب الله ، قال : و أين أجده ، قال : عند قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ " سورة الانفطار : 13 – 16 " قال : و أين رحمة الله إذن ، قال : قريب من المحسنين ، قال له يا أبا حازم : أما تصحبنا فنصيب منك و تصيب منا ، قال : أخاف ، قال له سليمان و من أي شئ تخاف ، قال : أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً ، فيذيقني الله ضعف الحياة و ضعف الممات قال : يا أبا حازم ما رأيك فينا ، قال : إن آباءك أخذوا هذا الأمر بغير حقه و سفكوا في سبيله دماً كثيراً , فلو تعلم مكانهم عند الله غداً ، فضجت القاعة و قالوا : بئس ما قلت لأمير المؤمنين ، فلفحهم أبو حازم بصوت غضوب ، و قال : بل بئس ما قلت أنتم ، عن الله أخذ علينا العهد و الميثاق لنبينن للناس أمره ولا نكتمه " قال : يا أبا حازم عظني ، قال : أحذر أن يراك حيث نهاك و إن يفتقدك حيث أمرك ، فأخذ سليمان بصرة مال و دفعها لأبى حازم ، فنظر أبو حازم إليها شذراً و قال : و الله ما أرضاها لك فكيف أرتضيها لنفسي ،
وقال سعيد بن جبير للحجاج بن يوسف الثقفي : عجبت لجرأتك على الله و حلم الله عنك . فهذا هو شأن العلماء العاملين ، لابد من إحسان الظن بهم و توقيرهم واحترامهم فهم ورثة الأنبياء ، لحومهم مسمومة و عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، و إذ لم يكن العلماء بأولياء لله فليس لله ولى ولكن علماء المملكة في امتحان عصيب لسوء حال المملكة المتزايد ، و لأن الحية تتوغل في المملكة اكثر من ذي قبل ، و يخشى أن تقضى على معالم الخير في المملكة سنة بعد أخرى ن ولا أثر ملموس محسوس للدعاء ولا للدعوة حتى أنهم يستسقون فلا يسقون ، و لعل وجود الحية هو السبب ، فالدعاء سلاح المؤمن ، و السلاح بضاربه و ليس بحده فقط ، و لم يغير الملك مسلكه تجاه الحية و كأن لسان الحال ينطق ، قد أسمعت لو ناديت حياً و لكن لا حياة لمن تنادى ، و هذه فتنة ، و لعل الخوف من الحية و حب الدنيا و الرياسة و سوء الحاشية ووجود بعض قطاع الطريق إلى الله يقف حائلاً في مواجهة دعوات الإصلاح الحقيقية التي يقوم بها علماء المملكة ، و قطاع الطريق قديماً و حديثاً من شأنهم أن يحلوا الحرام و يحرموا الحلال و يسبقون الريح في موافقة أهواء الملوك ، و قد عناهم أبو جعفر بقوله : كلكم يمشى رويداً ، كلكم يطلب صيداً .
و من عجيب الأمر
أنه منذ أن قام هؤلاء النفر برمي الحية بالحجر ، قامت الدنيا و لم تقعد ، و صار هؤلاء النفر و كأنهم الذين يرهبون البلاد و العباد و يضيعون الأمن و الاستقرار ، لا الحية !!!! فلابد من مواجهتهم بكل حسم و صرامة ، ولا بأس بوأدهم ووأد خطرهم على المملكة ، كل ذلك و الحية ترتع و تلعب و تنفث سمومها ولا اعتراض ، و في أحسن الأحوال فعلى جهة الهمس ، أي أسد على و في الحروب نعامة . قد نخطئ هؤلاء النفر ، و لكن أين العدل و الاعتدال و أين التوازن و الاتزان ، و أين شمولية النظرة في المر بالمعروف و النهى عن المنكر ، بحيث تتحقق مصلحة المملكة و تندفع عنها الشرور و المفاسد ، و ليس لنا أن نحجر واسعاً فقد أكون أنا مستكرهاً أو عاجزاً ، و الثاني ليس كذلك ، و ليس المعجوز عنه كالمقدور عليه ، فقد لا أستطيع إلا الدعاء أو تبصير المملكة بخطورة الحية فلا بأس بذلك و لن نحقر من المعروف شيئاً ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها و مسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة ، و ما أحد أحب أليه العذر من الله ، ولا حجر على سعة رحمة الله ، و جزى الله خيراً من صنع ذلك ولابد من إحسان الظن به ، فإذا وجد من يستطيع وأد الحية وفق الضوابط الشرعية و يخلص البلاد و العباد من شرها ، فهو محسن في فعله ، ولا لوم عليه ولا يحتاج لاستئذان الملك ، و المهم أن تتحقق المصلحة و تندفع المفسدة ،
و قد يتفوق التلميذ على أستاذه كما كان الحال بالنسبة للغلام مع الراهب ، فإنه لما رأى الدابة قد اعترضت طريق الناس أخذ حجراً ورمى بها الدابة فوقعت صريعة ، ثم رجع إلى الراهب يحكى له ما حدث ، فقال الراهب للغلام : أنت اليوم أفضل منى و إنك ستبتلى . و حدثت المواجهة بين الغلام و الطاغية صاحب الأخدود ، واستطاع الغلام أن يستدرجه إلى حشد الناس في صعيد واحد وأن يشد قوسه و يقول : بسم الله رب الغلام ، ووقع السهم في صدغ الغلام فوقع صريعاً و نطق الناس جميعاً : آمنا بالله رب الغلام .
أنه الإصرار في إبلاغ الحق إلى الخلق ، يقوم به الرجل و المرأة و الكبير و الصغير ، و كذلك الأمر في أخر الزمان ، فإن الدجال عندما ينتهي إلى بعض أسباخ المدينة ترجف بأهلها ثلاث رجفات ، يخرج إلى الدجال منها كل كافر و منافق ، و يخرج إليه شاب هو خير الناس أو من خير الناس ، فيقول للدجال : أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول الدجال لأتباعه أرأيتم لو قتلته ثم أحييته أكنتم تؤمنون بي ، فيقولون له نعم فيشقه بنصفين ، ثم يقول له : قم ، فيقوم الشاب متهلل الوجه فرحان ، يقول له : و الله لقد ازددت فيك أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم . و سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام فأمره و نهاه في ذات الله فقتله .
نحن نتخوف على أنفسنا من أنفسنا
فأعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك والذنوب و المعاصى أخطر من الحية و الشفقة منها يجب أن تكون أعظم من رهبة الحية . و هذه الحية إن رأى البعض أنها لابد لها من جهاد كبير ، فهذا لا يتعارض مع دعوة صالحة ينتهى بها خطر الحية من جهة و ينصلح بها حال الملك و المملكة من جهة أخرى ، و لكل مقام مقال ، و هذه الأمة لن تستأصل شأفتها بسنة بعامة بفضل الله . بل لا نستبعد أن يكون تدبير الحية تدميرها و أن يرتد كيدها إلى نحرها ، فالرب قدير يؤيد دينه بالرجل الفاجر و بأقوام لا خلاق لهم ، لا نريد أن نكون حرباً على أنفسنا و أن نسعى جاهدين في أن نكون يداً واحدة نربى أنفسنا و الدنيا من حولنا على دين و نجاهد بشرع الله أعداء الله ، دون يأس أو قنوط ، و كلنا ثقة و يقين أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، وأن العاقبة للمتقين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الشيخ سعيد عبد العظيم
فإذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، و الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة ، و أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ، و الرؤيا تحدث للمؤمن و الكافر ، و قد تصدق رؤيا الكافر أحياناً و على جهة الندرة كما صدقت رؤيا عزيز مصر ، و قد قال له الناس أضغاث أحلام و ما نحن بتأويل الأحلام بعالمين . و لم يكن الأمر كذلك فقد فسرها و عبرها نبي الله يوسف – عليه السلام – و رؤيا الأنبياء وحي و حق ، أما رؤى غيرهم فهي على ثلاث صور ، رؤيا من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه ،
و قد رأيت قبل الفجر وأنا نائم بالحرم : مملكة عظيمة البنيان مزخرفة و مزينة ، ورأيت الملوك وهم يقومون على تعميرها و تشييدها بكل همة ، و في المملكة حية خضراء جميلة اللون تسرح و تمرح و تتوغل بلا رادع ولا مانع ، و قد اختلف الناس في أسباب وجود الحية ، فالبعض ذكر أنها دخلت خفية و سراً دون علم الملك ، إذ لابد من إحسان الظن به ، ثم الملك هو الذي يقوم على تعمير البلاد ، فهل يعقل أن يأتى هو بحية تدمر ما بناه و تقضى على الأخضر و اليابس ، فهذا ما لا يفعله عاقل فضلاً عن مسلم ، و ذكرت طائفة أخرى أن الملك قد استكره على دخول الحية إلى المملكة ولا حيلة له في دفعها ، أما الطائفة الثالثة فقد ذكرت أمراً غريباً يدعو إلى الدهشة ، فقد رأوا الملك يغذى الحية و يعانقها و يقبلها !! كما رأيت أيضاً في منامي صوراً مختلفة في التعامل مع الحية ، فالبعض رافض لوجودها و هذا لا يستغرب ، و لكن العجيب أن فريقاً من الناس يرى استحالة وجود المملكة بدون الحية فملمسها ناعم و شكلها جميل ، و الفريق الثالث رأى أن ما رآه الملك مصلحة فلا معارضة له ، فالملك عنده نظر و له اجتهاد في تدبير أحوال المملكة و القيام على استقرارها ورخائها !!
واستيقظت من نومي و تناولت السحور ، و ذهبت لتأدية صلاة الفجر بالمسجد الحرام و أنا مهموم مشغول بهذه الرؤيا هل هي حديث نفس نتيجة أوضاع و ظروف و مشاهدات عكرت على صفوي كالتعاملات الربوية و مشاهد العرى و الخلاعة و التبرج و تمكين العلمانيين اللادينيين من رقاب البلاد و العباد و التهاون في قضايا المسلمين المسحوقين هنا و هناك و موالاة أعداء الإسلام وإعانتهم على كفرهم و ضلالهم واستلابهم لديار المسلمين ...... و أنا أعلم أن الرؤى ليست من أدلة استنباط الأحكام بل غاية ما فيها أن يستأنس بها ، و التعويل على ما جاء في كتاب الله و في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا من أعظم أوجه افتراق أهل السنة و الجماعة عن الصوفية الذين يعولون على المنانات و الكشوفات و الفتوحات ، و قد وضع الإمام البخاري منهجه و منهج أهل السنة في بداية كتابه الصحيح ، حيث بدأه بكتاب الوحي ، ثم كتاب العلم و الإيمان ليدل على أن العلم و الإيمان لا يعرفان إلا بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد اتفق العلماء على أن من رأى النبي صلى الله عليه و سلم في منامه فقال له هذا اليوم هو أول يوم من رمضان أنه لا يعمل بهذه الرؤيا المنامية إذ مدار الأمر على ثبوت الرؤيا بالعين البصرية فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " سورة البقرة : 185 " " صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته " كما أعلم أيضاً خطورة المسارعة بالاتهام و ترتيب الأحكام على المنامات ، و حادثة اقتحام الحرم وادعاء المهدية ما زالت عالقة بالأذهان ، فقد ذكروا يومها أن الرؤى تواترت بظهور المهدى و بدلاً من ترك الواقع يفسر لنا الأمارات و العلامات ، تعجلوا الأمر فكانت الأحداث الدامية ببلد الله الحرام .
و لست أنا من الأدباء و كتاب القصة ولا أحب أن أنتمي إلى طائفة المثقفين المبدعين و الذين هم إلى الإلحاد و الزندقة أقرب نتيجة جرأتهم و تطاولهم على شرع الله إلا من رحم ربى و قليل ما هم – لقد ظللت منشغلاً بما رأيت و أنا أحسبها رؤيا من الله واضحة الدلالة وإن انطوت على أمور مفزعة ، و رؤى الحق قد تكون منذرة ، كهذه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه و سلم عن غزوة أحد ، فقد رأى ثلماً في سيفه و بقراً تذبح و حصن حصينة ، فأول الثلم برجل من أهل بيته يقتل ( وهو حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه و سلم ورضى الله عنه ) و البقر التي تذبح بنفر من أصحابه يقتلون ( فقتل سبعون من خيرة الله من خلقه ) و الحصن الحصينة هي المدينة ، ورغم ما فيها من أمور محزنة إلا أنها منذرة و القتل وإن تألمت له النفوس إلا أن المسلم المقتول سينتقل شهيد إلى ربه ، و معلوم فضل الشهيد ، و لذلك فهذه الرؤيا لا تخلو من بشارة و لذلك قصها النبي صلى الله عليه و سلم على أصحابه ، و كان يصلى الصبح ثم يسألهم هل رأى منكم أحد البارحة رؤيا و ذلك لتكون تفاصيلها عالقة بذهن من رآها و يقوم النبي صلى الله عليه و سلم بتعبيرها له ،
و قد يكون الواقع أغرب من الخيال
ولا نحتاج معه لتأليف القصص للوعظ و التذكير و يكفينا ما جاء في الكتاب و السنن و التراجم و السير . وأخذ الدروس و العبر من السنن الكونية و الواقع الذي نعيشه ، و قد تختلط أحداث اليقظة مع معاني المنام و يصبح الرمز و التلميح و التعريض دالاً على الحقيقة و المقصود بلا مضرة ولا مفسدة ، و بلا بتر للحقائق و الثوابت ، ولا ينسحب كلامي على مملكة بعينها . فشأن الرؤيا كشأن الحكم لابد من تطبيقها على الواقع المساوي لها بلا إفراط أو تفريط و بلا اعتساف و هوى ، وإلا فقد نطبق الرؤيا على مملكة و غيرها أسوأ منها . و هذه الحية لها أشباه و شواهد كثيرة هنا و هناك و هي ترمز إلى عدو يتربص بالمملكة الدوائر و يريد الفتك بالبلاد و العباد ،
و كما هو معلوم فإن الشيطان لا ينام ، ولو نام لاسترحنا ، و كذلك أولياؤه يعملون ليل نهار لإنفاذ مخططاً بهم للعصف بالإسلام و أهله و قد وصفهم خالقهم وهو العليم بمكرهم – ولا ينبئك مثل خبير فقال سبحانه وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ " سورة البقرة : 217 " و قال يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ " سورة الأنفال : 36 " و لذلك حذرنا جل و علا منهم و من كيدهم فقال وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " سورة هود : 113 " و قال لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ " سورة آل عمران : 118 " و قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " سورة المائدة : 51 " و قال وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ " سورة القلم : 9 " و قال هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ " سورة آل عمران : 119 " .
فموالاة أعداء الإسلام أخطر بكثير من اقتناء الحية ، و كذلك الأمر بالنسبة لسائر الكفريات و الذنوب و المعاصي فغاية ما في الحية أن لدغتها تميت البدن ، أما الانحراف عن منهج الله فهو يميت القلب و هذا أخطر و لذلك كان بعض الصالحين يقول : عجباً لمن يبكى على من مات جسده ولا يبكى على من مات قلبه وهو أشد ، إن الذنوب و المعاصي تدمر البلاد و العباد و تورث الهلكة و الضياع في الدنيا و الآخرة قال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " سورة الإسراء : 16 " و قال وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " سورة هود : 102 " . و لما اعتدى قدار بن سالف على الناقة برضى قومه أهلكهم سبحانه ، قال جل و علا ُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا " سورة الشمس : 14 – 15 " و حرمة المسلم أشد من حرمة ناقة صالح ، و قد دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، و توعد و تهدد سبحانه أهل الطائف و كانوا يصلون و يصومون و لكنهم كانوا يتعاملون بالربا و الربا هو آخر المحرمات في القرآن ، قال تعالى ُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ " سورة البقرة :278 – 279 " وهى حرب لا طاقة لأحد بها ، فكيف إذا كان التعدي لحدود الله أعظم من ذلك
و كأن الملك كان يبنى بيد و يدمر المملكة باليد الأخرى و قد جرت السنن بأن الهدم أسرع من البناء ، فلكي نبنى البناية نحتاج إلى سنة و لكي ندمرها فالأمر قد يتطلب ساعات ، و هذا التناقض المريب ترفضه الشريعة و دستور المملكة كما تأباه العقول السليمة ، ثم الملك في تركه للحية أو إدخاله لها كان هو أول من يخرق النظام و يتعدى على الشريعة و يخرج على الدستور ، و مثل هذا الفعل لو اقترفه أحاد الرعية أو أحد أفراد المملكة لربما قالوا القتل و إقامة الحد . و هذا تناقض آخر ، وهو شبيه بفعل أهل الجاهلية و كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، و كان هذا من أسباب هلكتهم ، و قد اغتر ضعاف البصر و البصيرة بلون الحية الجميل و بملمسها الناعم و تناسوا لدغة السم الزعاف ولا يشفع للأغرار الذين لا يفرقون بين التمرة و الجمرة ، وجود الحية بالمملكة ، حتى لو كان دخولها بإذن الملك ورضاه ، بل بلغ التمادي في الغي أن يقبلها و يقوم على تغذيتها ، إذ المفترض أن يكون تصرفه منوط بالمصلحة ، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الدين و سياسة الدنيا به ، ولا تحقق المصالح في وجود الحية ، فقد أمر الشرع بقتلها في الحل و الحرم و الملك مؤتمن على شئون البلاد و العباد لا يحل له الخيانة قال تعالى ُ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ " سورة النساء : 58 "
و الاستكراه وإن كان يلغى الاختيار و يرفع الإثم و الذنب وهو وارد بالنسبة للملك و الرعية ، و قد نترك بعض الأمور المختارة للمصلحة الراجحة كما في قول النبي صلى الله عليه و سلم لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : " لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لنقضت الكعبة و لأقمتها على قواعد إبراهيم و لجعلت لها باباً يدخل منه الناس و باباً منه يخرجون و الضرورات تبيح المحذورات ، وهى تقدر بقدرها . و قد يضطر الملك و غيره لنوع من المدارة أو لدفع مال للأعداء إذا خيف منهم استئصال الشأفة أو التسلط على النساء و الذرية ........
و قد أبيح ورخص في النطق بكلمة الكفر حال الاستكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وفي الجملة فأحوال الاضطرار تفترق عن حالات الاختيار . كل ذلك شئ و ما يحدث في المملكة شئ آخر ، فالملك عنده قدرة و استطاعة و تمكين و أعوان على الخير و الهدى ، و دخول الحية المشبوه و تغذيتها وإظهار الرضا عنها في كثير من المناسبات ينفي القول بأن الملك مستكره ، و لو قدر ذلك في صورة فلا ينفي مسئوليته عن بقية صور الشر و الفساد و الأذى الذي تلحقه الحية بالمملكة بل و يتضح ذلك بجلاء عندما هم البعض بالإنكار على الحية فرماها بحجر ، فاستنفر الملك أشد الاستنفار ورماهم بالتطرف و الضلال و الإفساد في الأرض و هؤلاء المساكين أشفقوا على أنفسهم و على المملكة بل و على الملك من خطورة الحية فهي توشك أن تلتهم الأخضر و اليابس ، و لن يسلم حتى الملك من آذاها ، و السنن الشرعية و الكونية جارية بذلك الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " سورة الزخرف : 67 " و ليس من طلب الحق فأخطئه كمن طلب الباطل فأصابه ، فإن هؤلاء النفر لما قاموا برمي الحية بالحجر استفزوها و استثاروها ، و كانت عداوتها بادية قبل ذلك و توغلها في البلاد يزداد حدة و شراسة يوماً بعد يوم ، و لو منعت الحية من دخول المملكة لما حدث هذا الذي حدث ، و لما وجد المبرر للرمي بالحجارة و إغضاب الملك و تأليب الرعية ، و لكن لا ندرى لماذا الإصرار على وجود الحية ، و هل العناد في ذلك من لوازم هيبة الملك ، و أي هيبة تحدث لمن عصى مالك الملك و ملك الملوك سبحانه .
كان الحسن يقول : فإنهم وإن طقطقت بهم البغال و هملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه . و كان أبو بكر رضى الله عنه يقول للناس " أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " ، و قال عمر – رضى الله عنه - : فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ، و الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، و لأن أكون ذنباً في الحق خير من أكون رأساً في الباطل ، و علماء المملكة هم الأدلاء على الخير ، و هم نجوم يقتدي و يهتدي بها في ظلمات الفتن و عند التباس الأمور ، ورغم تقصير الملك الواضح و الظاهر تجاه الحية إلا أنهم لا يكفرونه ولا يرون الخروج عليه ولا عزله ، إذ قد ورد في حديث عبادة بن الصامت – رضى الله عنه – بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في العسر و اليسر و المنشط و المكره و على أثرة علينا و على أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان و على أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم فإذا أتى الملك ما يستوجب العزل و كانت الاستطاعة على عزله فلابد من نظر في عواقب الأمور ، إذ قد يترتب على عزله مفسدة أعظم ، و قد يتسلط الأعداء على البلاد و العباد ، و قد يأتى من هو أسوأ من الملك ،
و هؤلاء العلماء لا يدخرون وسعاً في إبلاغ الحق للخلق و يدعون للملكة بالأمن و الاستقرار ، كما يدعون للملك بالصلاح و التوفيق لخير البلاد و العباد ، و كان بعض العلماء يقول : لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوت بها للحاكم ، إذ عادة ما تكون الرعية على شاكلة ملوكها " وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " سورة الأنعام : 129 " و كان ابن القيم – يقول : نحن في زمان لا يصلح أن يولى علينا فيه مثل عمر بن عبد العزيز ولا معاوية بن أبى سفيان فضلاً عن الشيخين أبى بكر و عمر ، ولما أراد البعض الخروج على الحجاج قال لهم الحسن أخشى إن قتل الحجاج أن يولى عليكم أشباه القردة و الخنازير ، و قال : الحجاج عقوبة من الله ، و العقوبة لا يغيرها السيف و إنما تغيرها التوبة ، كما أنهم يبصرون المملكة بخطورة الحية ، و أحياناً يتم ذلك تصريحاً و كثيراً ما يتم على جهة التعريض و التلميح بحسب مقتضى الحال و ما يرونه يحقق المصلحة ، و يبدو أنهم يتعرضون أحياناً لظروف الضغط و الاستكراه ، مما يجعل النصائح تبدو على جهة الهمس ، و هذا الأسلوب لا يفهمه عامة أهل المملكة ، بل و قد تزداد به خطورة الحية و يساء الظن بالعلماء و تنتقل المملكة من سئ إلى أسوأ ،
و كان الإمام أحمد يقول : إذا تكلم العالم تقية و الجاهل يجهل متى يتبين الناس الحق ، و هذا لا ينفي قيام أكابر العلماء بالنصح والبيان ليس فقط لعموم الرعية بل يؤدون واجبهم تجاه الملك و حاشيته ، و لكن بطريقة لا تؤلب العامة على الملك ، و هم ينهجون في ذلك منهج أوائلهم فرغم صلاح كثير من الملوك فيما مضى ، لما بدرت منهم بعض الهفوات انتصب لها العلماء الربانيون ، كما فعل أبو حازم مع سليمان بن عبد الملك ، فإنه لما سأل أبا حازم ، يا أبا حازم قل لي : لماذا نكره الموت ، قال : لأنكم عمرتم الدنيا و خربتم الآخرة فتخافون أن تخرجوا من العمران إلى الخراب ، قال : فما لنا عند الله غداً ، قال : اعرض نفسك على كتاب الله ، قال : و أين أجده ، قال : عند قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ " سورة الانفطار : 13 – 16 " قال : و أين رحمة الله إذن ، قال : قريب من المحسنين ، قال له يا أبا حازم : أما تصحبنا فنصيب منك و تصيب منا ، قال : أخاف ، قال له سليمان و من أي شئ تخاف ، قال : أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً ، فيذيقني الله ضعف الحياة و ضعف الممات قال : يا أبا حازم ما رأيك فينا ، قال : إن آباءك أخذوا هذا الأمر بغير حقه و سفكوا في سبيله دماً كثيراً , فلو تعلم مكانهم عند الله غداً ، فضجت القاعة و قالوا : بئس ما قلت لأمير المؤمنين ، فلفحهم أبو حازم بصوت غضوب ، و قال : بل بئس ما قلت أنتم ، عن الله أخذ علينا العهد و الميثاق لنبينن للناس أمره ولا نكتمه " قال : يا أبا حازم عظني ، قال : أحذر أن يراك حيث نهاك و إن يفتقدك حيث أمرك ، فأخذ سليمان بصرة مال و دفعها لأبى حازم ، فنظر أبو حازم إليها شذراً و قال : و الله ما أرضاها لك فكيف أرتضيها لنفسي ،
وقال سعيد بن جبير للحجاج بن يوسف الثقفي : عجبت لجرأتك على الله و حلم الله عنك . فهذا هو شأن العلماء العاملين ، لابد من إحسان الظن بهم و توقيرهم واحترامهم فهم ورثة الأنبياء ، لحومهم مسمومة و عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، و إذ لم يكن العلماء بأولياء لله فليس لله ولى ولكن علماء المملكة في امتحان عصيب لسوء حال المملكة المتزايد ، و لأن الحية تتوغل في المملكة اكثر من ذي قبل ، و يخشى أن تقضى على معالم الخير في المملكة سنة بعد أخرى ن ولا أثر ملموس محسوس للدعاء ولا للدعوة حتى أنهم يستسقون فلا يسقون ، و لعل وجود الحية هو السبب ، فالدعاء سلاح المؤمن ، و السلاح بضاربه و ليس بحده فقط ، و لم يغير الملك مسلكه تجاه الحية و كأن لسان الحال ينطق ، قد أسمعت لو ناديت حياً و لكن لا حياة لمن تنادى ، و هذه فتنة ، و لعل الخوف من الحية و حب الدنيا و الرياسة و سوء الحاشية ووجود بعض قطاع الطريق إلى الله يقف حائلاً في مواجهة دعوات الإصلاح الحقيقية التي يقوم بها علماء المملكة ، و قطاع الطريق قديماً و حديثاً من شأنهم أن يحلوا الحرام و يحرموا الحلال و يسبقون الريح في موافقة أهواء الملوك ، و قد عناهم أبو جعفر بقوله : كلكم يمشى رويداً ، كلكم يطلب صيداً .
و من عجيب الأمر
أنه منذ أن قام هؤلاء النفر برمي الحية بالحجر ، قامت الدنيا و لم تقعد ، و صار هؤلاء النفر و كأنهم الذين يرهبون البلاد و العباد و يضيعون الأمن و الاستقرار ، لا الحية !!!! فلابد من مواجهتهم بكل حسم و صرامة ، ولا بأس بوأدهم ووأد خطرهم على المملكة ، كل ذلك و الحية ترتع و تلعب و تنفث سمومها ولا اعتراض ، و في أحسن الأحوال فعلى جهة الهمس ، أي أسد على و في الحروب نعامة . قد نخطئ هؤلاء النفر ، و لكن أين العدل و الاعتدال و أين التوازن و الاتزان ، و أين شمولية النظرة في المر بالمعروف و النهى عن المنكر ، بحيث تتحقق مصلحة المملكة و تندفع عنها الشرور و المفاسد ، و ليس لنا أن نحجر واسعاً فقد أكون أنا مستكرهاً أو عاجزاً ، و الثاني ليس كذلك ، و ليس المعجوز عنه كالمقدور عليه ، فقد لا أستطيع إلا الدعاء أو تبصير المملكة بخطورة الحية فلا بأس بذلك و لن نحقر من المعروف شيئاً ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها و مسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة ، و ما أحد أحب أليه العذر من الله ، ولا حجر على سعة رحمة الله ، و جزى الله خيراً من صنع ذلك ولابد من إحسان الظن به ، فإذا وجد من يستطيع وأد الحية وفق الضوابط الشرعية و يخلص البلاد و العباد من شرها ، فهو محسن في فعله ، ولا لوم عليه ولا يحتاج لاستئذان الملك ، و المهم أن تتحقق المصلحة و تندفع المفسدة ،
و قد يتفوق التلميذ على أستاذه كما كان الحال بالنسبة للغلام مع الراهب ، فإنه لما رأى الدابة قد اعترضت طريق الناس أخذ حجراً ورمى بها الدابة فوقعت صريعة ، ثم رجع إلى الراهب يحكى له ما حدث ، فقال الراهب للغلام : أنت اليوم أفضل منى و إنك ستبتلى . و حدثت المواجهة بين الغلام و الطاغية صاحب الأخدود ، واستطاع الغلام أن يستدرجه إلى حشد الناس في صعيد واحد وأن يشد قوسه و يقول : بسم الله رب الغلام ، ووقع السهم في صدغ الغلام فوقع صريعاً و نطق الناس جميعاً : آمنا بالله رب الغلام .
أنه الإصرار في إبلاغ الحق إلى الخلق ، يقوم به الرجل و المرأة و الكبير و الصغير ، و كذلك الأمر في أخر الزمان ، فإن الدجال عندما ينتهي إلى بعض أسباخ المدينة ترجف بأهلها ثلاث رجفات ، يخرج إلى الدجال منها كل كافر و منافق ، و يخرج إليه شاب هو خير الناس أو من خير الناس ، فيقول للدجال : أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول الدجال لأتباعه أرأيتم لو قتلته ثم أحييته أكنتم تؤمنون بي ، فيقولون له نعم فيشقه بنصفين ، ثم يقول له : قم ، فيقوم الشاب متهلل الوجه فرحان ، يقول له : و الله لقد ازددت فيك أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم . و سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام فأمره و نهاه في ذات الله فقتله .
نحن نتخوف على أنفسنا من أنفسنا
فأعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك والذنوب و المعاصى أخطر من الحية و الشفقة منها يجب أن تكون أعظم من رهبة الحية . و هذه الحية إن رأى البعض أنها لابد لها من جهاد كبير ، فهذا لا يتعارض مع دعوة صالحة ينتهى بها خطر الحية من جهة و ينصلح بها حال الملك و المملكة من جهة أخرى ، و لكل مقام مقال ، و هذه الأمة لن تستأصل شأفتها بسنة بعامة بفضل الله . بل لا نستبعد أن يكون تدبير الحية تدميرها و أن يرتد كيدها إلى نحرها ، فالرب قدير يؤيد دينه بالرجل الفاجر و بأقوام لا خلاق لهم ، لا نريد أن نكون حرباً على أنفسنا و أن نسعى جاهدين في أن نكون يداً واحدة نربى أنفسنا و الدنيا من حولنا على دين و نجاهد بشرع الله أعداء الله ، دون يأس أو قنوط ، و كلنا ثقة و يقين أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، وأن العاقبة للمتقين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الشيخ سعيد عبد العظيم