المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة الملك و الحية


الشيخ أحمد جودة
08-23-2006, 10:35 PM
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه . أما بعد
فإذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، و الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة ، و أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ، و الرؤيا تحدث للمؤمن و الكافر ، و قد تصدق رؤيا الكافر أحياناً و على جهة الندرة كما صدقت رؤيا عزيز مصر ، و قد قال له الناس أضغاث أحلام و ما نحن بتأويل الأحلام بعالمين . و لم يكن الأمر كذلك فقد فسرها و عبرها نبي الله يوسف – عليه السلام – و رؤيا الأنبياء وحي و حق ، أما رؤى غيرهم فهي على ثلاث صور ، رؤيا من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه ،

و قد رأيت قبل الفجر وأنا نائم بالحرم : مملكة عظيمة البنيان مزخرفة و مزينة ، ورأيت الملوك وهم يقومون على تعميرها و تشييدها بكل همة ، و في المملكة حية خضراء جميلة اللون تسرح و تمرح و تتوغل بلا رادع ولا مانع ، و قد اختلف الناس في أسباب وجود الحية ، فالبعض ذكر أنها دخلت خفية و سراً دون علم الملك ، إذ لابد من إحسان الظن به ، ثم الملك هو الذي يقوم على تعمير البلاد ، فهل يعقل أن يأتى هو بحية تدمر ما بناه و تقضى على الأخضر و اليابس ، فهذا ما لا يفعله عاقل فضلاً عن مسلم ، و ذكرت طائفة أخرى أن الملك قد استكره على دخول الحية إلى المملكة ولا حيلة له في دفعها ، أما الطائفة الثالثة فقد ذكرت أمراً غريباً يدعو إلى الدهشة ، فقد رأوا الملك يغذى الحية و يعانقها و يقبلها !! كما رأيت أيضاً في منامي صوراً مختلفة في التعامل مع الحية ، فالبعض رافض لوجودها و هذا لا يستغرب ، و لكن العجيب أن فريقاً من الناس يرى استحالة وجود المملكة بدون الحية فملمسها ناعم و شكلها جميل ، و الفريق الثالث رأى أن ما رآه الملك مصلحة فلا معارضة له ، فالملك عنده نظر و له اجتهاد في تدبير أحوال المملكة و القيام على استقرارها ورخائها !!



واستيقظت من نومي و تناولت السحور ، و ذهبت لتأدية صلاة الفجر بالمسجد الحرام و أنا مهموم مشغول بهذه الرؤيا هل هي حديث نفس نتيجة أوضاع و ظروف و مشاهدات عكرت على صفوي كالتعاملات الربوية و مشاهد العرى و الخلاعة و التبرج و تمكين العلمانيين اللادينيين من رقاب البلاد و العباد و التهاون في قضايا المسلمين المسحوقين هنا و هناك و موالاة أعداء الإسلام وإعانتهم على كفرهم و ضلالهم واستلابهم لديار المسلمين ...... و أنا أعلم أن الرؤى ليست من أدلة استنباط الأحكام بل غاية ما فيها أن يستأنس بها ، و التعويل على ما جاء في كتاب الله و في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا من أعظم أوجه افتراق أهل السنة و الجماعة عن الصوفية الذين يعولون على المنانات و الكشوفات و الفتوحات ، و قد وضع الإمام البخاري منهجه و منهج أهل السنة في بداية كتابه الصحيح ، حيث بدأه بكتاب الوحي ، ثم كتاب العلم و الإيمان ليدل على أن العلم و الإيمان لا يعرفان إلا بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد اتفق العلماء على أن من رأى النبي صلى الله عليه و سلم في منامه فقال له هذا اليوم هو أول يوم من رمضان أنه لا يعمل بهذه الرؤيا المنامية إذ مدار الأمر على ثبوت الرؤيا بالعين البصرية  فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  " سورة البقرة : 185 " " صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته " كما أعلم أيضاً خطورة المسارعة بالاتهام و ترتيب الأحكام على المنامات ، و حادثة اقتحام الحرم وادعاء المهدية ما زالت عالقة بالأذهان ، فقد ذكروا يومها أن الرؤى تواترت بظهور المهدى و بدلاً من ترك الواقع يفسر لنا الأمارات و العلامات ، تعجلوا الأمر فكانت الأحداث الدامية ببلد الله الحرام .

و لست أنا من الأدباء و كتاب القصة ولا أحب أن أنتمي إلى طائفة المثقفين المبدعين و الذين هم إلى الإلحاد و الزندقة أقرب نتيجة جرأتهم و تطاولهم على شرع الله إلا من رحم ربى و قليل ما هم – لقد ظللت منشغلاً بما رأيت و أنا أحسبها رؤيا من الله واضحة الدلالة وإن انطوت على أمور مفزعة ، و رؤى الحق قد تكون منذرة ، كهذه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه و سلم عن غزوة أحد ، فقد رأى ثلماً في سيفه و بقراً تذبح و حصن حصينة ، فأول الثلم برجل من أهل بيته يقتل ( وهو حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه و سلم ورضى الله عنه ) و البقر التي تذبح بنفر من أصحابه يقتلون ( فقتل سبعون من خيرة الله من خلقه ) و الحصن الحصينة هي المدينة ، ورغم ما فيها من أمور محزنة إلا أنها منذرة و القتل وإن تألمت له النفوس إلا أن المسلم المقتول سينتقل شهيد إلى ربه ، و معلوم فضل الشهيد ، و لذلك فهذه الرؤيا لا تخلو من بشارة و لذلك قصها النبي صلى الله عليه و سلم على أصحابه ، و كان يصلى الصبح ثم يسألهم هل رأى منكم أحد البارحة رؤيا و ذلك لتكون تفاصيلها عالقة بذهن من رآها و يقوم النبي صلى الله عليه و سلم بتعبيرها له ،



و قد يكون الواقع أغرب من الخيال
ولا نحتاج معه لتأليف القصص للوعظ و التذكير و يكفينا ما جاء في الكتاب و السنن و التراجم و السير . وأخذ الدروس و العبر من السنن الكونية و الواقع الذي نعيشه ، و قد تختلط أحداث اليقظة مع معاني المنام و يصبح الرمز و التلميح و التعريض دالاً على الحقيقة و المقصود بلا مضرة ولا مفسدة ، و بلا بتر للحقائق و الثوابت ، ولا ينسحب كلامي على مملكة بعينها . فشأن الرؤيا كشأن الحكم لابد من تطبيقها على الواقع المساوي لها بلا إفراط أو تفريط و بلا اعتساف و هوى ، وإلا فقد نطبق الرؤيا على مملكة و غيرها أسوأ منها . و هذه الحية لها أشباه و شواهد كثيرة هنا و هناك و هي ترمز إلى عدو يتربص بالمملكة الدوائر و يريد الفتك بالبلاد و العباد ،

و كما هو معلوم فإن الشيطان لا ينام ، ولو نام لاسترحنا ، و كذلك أولياؤه يعملون ليل نهار لإنفاذ مخططاً بهم للعصف بالإسلام و أهله و قد وصفهم خالقهم وهو العليم بمكرهم – ولا ينبئك مثل خبير فقال سبحانه  وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ  " سورة البقرة : 217 " و قال  يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ  " سورة الأنفال : 36 " و لذلك حذرنا جل و علا منهم و من كيدهم فقال  وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ  " سورة هود : 113 " و قال  لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  " سورة آل عمران : 118 " و قال  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  " سورة المائدة : 51 " و قال  وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  " سورة القلم : 9 " و قال  هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ  " سورة آل عمران : 119 " .

فموالاة أعداء الإسلام أخطر بكثير من اقتناء الحية ، و كذلك الأمر بالنسبة لسائر الكفريات و الذنوب و المعاصي فغاية ما في الحية أن لدغتها تميت البدن ، أما الانحراف عن منهج الله فهو يميت القلب و هذا أخطر و لذلك كان بعض الصالحين يقول : عجباً لمن يبكى على من مات جسده ولا يبكى على من مات قلبه وهو أشد ، إن الذنوب و المعاصي تدمر البلاد و العباد و تورث الهلكة و الضياع في الدنيا و الآخرة قال تعالى  وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا  " سورة الإسراء : 16 " و قال  وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ  " سورة هود : 102 " . و لما اعتدى قدار بن سالف على الناقة برضى قومه أهلكهم سبحانه ، قال جل و علا ُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا  " سورة الشمس : 14 – 15 " و حرمة المسلم أشد من حرمة ناقة صالح ، و قد دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، و توعد و تهدد سبحانه أهل الطائف و كانوا يصلون و يصومون و لكنهم كانوا يتعاملون بالربا و الربا هو آخر المحرمات في القرآن ، قال تعالى ُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ  " سورة البقرة :278 – 279 " وهى حرب لا طاقة لأحد بها ، فكيف إذا كان التعدي لحدود الله أعظم من ذلك

و كأن الملك كان يبنى بيد و يدمر المملكة باليد الأخرى و قد جرت السنن بأن الهدم أسرع من البناء ، فلكي نبنى البناية نحتاج إلى سنة و لكي ندمرها فالأمر قد يتطلب ساعات ، و هذا التناقض المريب ترفضه الشريعة و دستور المملكة كما تأباه العقول السليمة ، ثم الملك في تركه للحية أو إدخاله لها كان هو أول من يخرق النظام و يتعدى على الشريعة و يخرج على الدستور ، و مثل هذا الفعل لو اقترفه أحاد الرعية أو أحد أفراد المملكة لربما قالوا القتل و إقامة الحد . و هذا تناقض آخر ، وهو شبيه بفعل أهل الجاهلية و كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، و كان هذا من أسباب هلكتهم ، و قد اغتر ضعاف البصر و البصيرة بلون الحية الجميل و بملمسها الناعم و تناسوا لدغة السم الزعاف ولا يشفع للأغرار الذين لا يفرقون بين التمرة و الجمرة ، وجود الحية بالمملكة ، حتى لو كان دخولها بإذن الملك ورضاه ، بل بلغ التمادي في الغي أن يقبلها و يقوم على تغذيتها ، إذ المفترض أن يكون تصرفه منوط بالمصلحة ، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الدين و سياسة الدنيا به ، ولا تحقق المصالح في وجود الحية ، فقد أمر الشرع بقتلها في الحل و الحرم و الملك مؤتمن على شئون البلاد و العباد لا يحل له الخيانة قال تعالى ُ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ  " سورة النساء : 58 "

و الاستكراه وإن كان يلغى الاختيار و يرفع الإثم و الذنب وهو وارد بالنسبة للملك و الرعية ، و قد نترك بعض الأمور المختارة للمصلحة الراجحة كما في قول النبي صلى الله عليه و سلم لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : " لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لنقضت الكعبة و لأقمتها على قواعد إبراهيم و لجعلت لها باباً يدخل منه الناس و باباً منه يخرجون و الضرورات تبيح المحذورات ، وهى تقدر بقدرها . و قد يضطر الملك و غيره لنوع من المدارة أو لدفع مال للأعداء إذا خيف منهم استئصال الشأفة أو التسلط على النساء و الذرية ........

و قد أبيح ورخص في النطق بكلمة الكفر حال الاستكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وفي الجملة فأحوال الاضطرار تفترق عن حالات الاختيار . كل ذلك شئ و ما يحدث في المملكة شئ آخر ، فالملك عنده قدرة و استطاعة و تمكين و أعوان على الخير و الهدى ، و دخول الحية المشبوه و تغذيتها وإظهار الرضا عنها في كثير من المناسبات ينفي القول بأن الملك مستكره ، و لو قدر ذلك في صورة فلا ينفي مسئوليته عن بقية صور الشر و الفساد و الأذى الذي تلحقه الحية بالمملكة بل و يتضح ذلك بجلاء عندما هم البعض بالإنكار على الحية فرماها بحجر ، فاستنفر الملك أشد الاستنفار ورماهم بالتطرف و الضلال و الإفساد في الأرض و هؤلاء المساكين أشفقوا على أنفسهم و على المملكة بل و على الملك من خطورة الحية فهي توشك أن تلتهم الأخضر و اليابس ، و لن يسلم حتى الملك من آذاها ، و السنن الشرعية و الكونية جارية بذلك  الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ  " سورة الزخرف : 67 " و ليس من طلب الحق فأخطئه كمن طلب الباطل فأصابه ، فإن هؤلاء النفر لما قاموا برمي الحية بالحجر استفزوها و استثاروها ، و كانت عداوتها بادية قبل ذلك و توغلها في البلاد يزداد حدة و شراسة يوماً بعد يوم ، و لو منعت الحية من دخول المملكة لما حدث هذا الذي حدث ، و لما وجد المبرر للرمي بالحجارة و إغضاب الملك و تأليب الرعية ، و لكن لا ندرى لماذا الإصرار على وجود الحية ، و هل العناد في ذلك من لوازم هيبة الملك ، و أي هيبة تحدث لمن عصى مالك الملك و ملك الملوك سبحانه .

كان الحسن يقول : فإنهم وإن طقطقت بهم البغال و هملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه . و كان أبو بكر رضى الله عنه يقول للناس " أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " ، و قال عمر – رضى الله عنه - : فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ، و الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، و لأن أكون ذنباً في الحق خير من أكون رأساً في الباطل ، و علماء المملكة هم الأدلاء على الخير ، و هم نجوم يقتدي و يهتدي بها في ظلمات الفتن و عند التباس الأمور ، ورغم تقصير الملك الواضح و الظاهر تجاه الحية إلا أنهم لا يكفرونه ولا يرون الخروج عليه ولا عزله ، إذ قد ورد في حديث عبادة بن الصامت – رضى الله عنه – بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في العسر و اليسر و المنشط و المكره و على أثرة علينا و على أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان و على أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم فإذا أتى الملك ما يستوجب العزل و كانت الاستطاعة على عزله فلابد من نظر في عواقب الأمور ، إذ قد يترتب على عزله مفسدة أعظم ، و قد يتسلط الأعداء على البلاد و العباد ، و قد يأتى من هو أسوأ من الملك ،

و هؤلاء العلماء لا يدخرون وسعاً في إبلاغ الحق للخلق و يدعون للملكة بالأمن و الاستقرار ، كما يدعون للملك بالصلاح و التوفيق لخير البلاد و العباد ، و كان بعض العلماء يقول : لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوت بها للحاكم ، إذ عادة ما تكون الرعية على شاكلة ملوكها "  وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  " سورة الأنعام : 129 " و كان ابن القيم – يقول : نحن في زمان لا يصلح أن يولى علينا فيه مثل عمر بن عبد العزيز ولا معاوية بن أبى سفيان فضلاً عن الشيخين أبى بكر و عمر ، ولما أراد البعض الخروج على الحجاج قال لهم الحسن أخشى إن قتل الحجاج أن يولى عليكم أشباه القردة و الخنازير ، و قال : الحجاج عقوبة من الله ، و العقوبة لا يغيرها السيف و إنما تغيرها التوبة ، كما أنهم يبصرون المملكة بخطورة الحية ، و أحياناً يتم ذلك تصريحاً و كثيراً ما يتم على جهة التعريض و التلميح بحسب مقتضى الحال و ما يرونه يحقق المصلحة ، و يبدو أنهم يتعرضون أحياناً لظروف الضغط و الاستكراه ، مما يجعل النصائح تبدو على جهة الهمس ، و هذا الأسلوب لا يفهمه عامة أهل المملكة ، بل و قد تزداد به خطورة الحية و يساء الظن بالعلماء و تنتقل المملكة من سئ إلى أسوأ ،

و كان الإمام أحمد يقول : إذا تكلم العالم تقية و الجاهل يجهل متى يتبين الناس الحق ، و هذا لا ينفي قيام أكابر العلماء بالنصح والبيان ليس فقط لعموم الرعية بل يؤدون واجبهم تجاه الملك و حاشيته ، و لكن بطريقة لا تؤلب العامة على الملك ، و هم ينهجون في ذلك منهج أوائلهم فرغم صلاح كثير من الملوك فيما مضى ، لما بدرت منهم بعض الهفوات انتصب لها العلماء الربانيون ، كما فعل أبو حازم مع سليمان بن عبد الملك ، فإنه لما سأل أبا حازم ، يا أبا حازم قل لي : لماذا نكره الموت ، قال : لأنكم عمرتم الدنيا و خربتم الآخرة فتخافون أن تخرجوا من العمران إلى الخراب ، قال : فما لنا عند الله غداً ، قال : اعرض نفسك على كتاب الله ، قال : و أين أجده ، قال : عند قوله تعالى  إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ  " سورة الانفطار : 13 – 16 " قال : و أين رحمة الله إذن ، قال : قريب من المحسنين ، قال له يا أبا حازم : أما تصحبنا فنصيب منك و تصيب منا ، قال : أخاف ، قال له سليمان و من أي شئ تخاف ، قال : أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً ، فيذيقني الله ضعف الحياة و ضعف الممات قال : يا أبا حازم ما رأيك فينا ، قال : إن آباءك أخذوا هذا الأمر بغير حقه و سفكوا في سبيله دماً كثيراً , فلو تعلم مكانهم عند الله غداً ، فضجت القاعة و قالوا : بئس ما قلت لأمير المؤمنين ، فلفحهم أبو حازم بصوت غضوب ، و قال : بل بئس ما قلت أنتم ، عن الله أخذ علينا العهد و الميثاق لنبينن للناس أمره ولا نكتمه " قال : يا أبا حازم عظني ، قال : أحذر أن يراك حيث نهاك و إن يفتقدك حيث أمرك ، فأخذ سليمان بصرة مال و دفعها لأبى حازم ، فنظر أبو حازم إليها شذراً و قال : و الله ما أرضاها لك فكيف أرتضيها لنفسي ،

وقال سعيد بن جبير للحجاج بن يوسف الثقفي : عجبت لجرأتك على الله و حلم الله عنك . فهذا هو شأن العلماء العاملين ، لابد من إحسان الظن بهم و توقيرهم واحترامهم فهم ورثة الأنبياء ، لحومهم مسمومة و عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، و إذ لم يكن العلماء بأولياء لله فليس لله ولى ولكن علماء المملكة في امتحان عصيب لسوء حال المملكة المتزايد ، و لأن الحية تتوغل في المملكة اكثر من ذي قبل ، و يخشى أن تقضى على معالم الخير في المملكة سنة بعد أخرى ن ولا أثر ملموس محسوس للدعاء ولا للدعوة حتى أنهم يستسقون فلا يسقون ، و لعل وجود الحية هو السبب ، فالدعاء سلاح المؤمن ، و السلاح بضاربه و ليس بحده فقط ، و لم يغير الملك مسلكه تجاه الحية و كأن لسان الحال ينطق ، قد أسمعت لو ناديت حياً و لكن لا حياة لمن تنادى ، و هذه فتنة ، و لعل الخوف من الحية و حب الدنيا و الرياسة و سوء الحاشية ووجود بعض قطاع الطريق إلى الله يقف حائلاً في مواجهة دعوات الإصلاح الحقيقية التي يقوم بها علماء المملكة ، و قطاع الطريق قديماً و حديثاً من شأنهم أن يحلوا الحرام و يحرموا الحلال و يسبقون الريح في موافقة أهواء الملوك ، و قد عناهم أبو جعفر بقوله : كلكم يمشى رويداً ، كلكم يطلب صيداً .

و من عجيب الأمر
أنه منذ أن قام هؤلاء النفر برمي الحية بالحجر ، قامت الدنيا و لم تقعد ، و صار هؤلاء النفر و كأنهم الذين يرهبون البلاد و العباد و يضيعون الأمن و الاستقرار ، لا الحية !!!! فلابد من مواجهتهم بكل حسم و صرامة ، ولا بأس بوأدهم ووأد خطرهم على المملكة ، كل ذلك و الحية ترتع و تلعب و تنفث سمومها ولا اعتراض ، و في أحسن الأحوال فعلى جهة الهمس ، أي أسد على و في الحروب نعامة . قد نخطئ هؤلاء النفر ، و لكن أين العدل و الاعتدال و أين التوازن و الاتزان ، و أين شمولية النظرة في المر بالمعروف و النهى عن المنكر ، بحيث تتحقق مصلحة المملكة و تندفع عنها الشرور و المفاسد ، و ليس لنا أن نحجر واسعاً فقد أكون أنا مستكرهاً أو عاجزاً ، و الثاني ليس كذلك ، و ليس المعجوز عنه كالمقدور عليه ، فقد لا أستطيع إلا الدعاء أو تبصير المملكة بخطورة الحية فلا بأس بذلك و لن نحقر من المعروف شيئاً ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها و مسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة ، و ما أحد أحب أليه العذر من الله ، ولا حجر على سعة رحمة الله ، و جزى الله خيراً من صنع ذلك ولابد من إحسان الظن به ، فإذا وجد من يستطيع وأد الحية وفق الضوابط الشرعية و يخلص البلاد و العباد من شرها ، فهو محسن في فعله ، ولا لوم عليه ولا يحتاج لاستئذان الملك ، و المهم أن تتحقق المصلحة و تندفع المفسدة ،

و قد يتفوق التلميذ على أستاذه كما كان الحال بالنسبة للغلام مع الراهب ، فإنه لما رأى الدابة قد اعترضت طريق الناس أخذ حجراً ورمى بها الدابة فوقعت صريعة ، ثم رجع إلى الراهب يحكى له ما حدث ، فقال الراهب للغلام : أنت اليوم أفضل منى و إنك ستبتلى . و حدثت المواجهة بين الغلام و الطاغية صاحب الأخدود ، واستطاع الغلام أن يستدرجه إلى حشد الناس في صعيد واحد وأن يشد قوسه و يقول : بسم الله رب الغلام ، ووقع السهم في صدغ الغلام فوقع صريعاً و نطق الناس جميعاً : آمنا بالله رب الغلام .

أنه الإصرار في إبلاغ الحق إلى الخلق ، يقوم به الرجل و المرأة و الكبير و الصغير ، و كذلك الأمر في أخر الزمان ، فإن الدجال عندما ينتهي إلى بعض أسباخ المدينة ترجف بأهلها ثلاث رجفات ، يخرج إلى الدجال منها كل كافر و منافق ، و يخرج إليه شاب هو خير الناس أو من خير الناس ، فيقول للدجال : أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول الدجال لأتباعه أرأيتم لو قتلته ثم أحييته أكنتم تؤمنون بي ، فيقولون له نعم فيشقه بنصفين ، ثم يقول له : قم ، فيقوم الشاب متهلل الوجه فرحان ، يقول له : و الله لقد ازددت فيك أنت الدجال الذى أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه و سلم . و سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام فأمره و نهاه في ذات الله فقتله .



نحن نتخوف على أنفسنا من أنفسنا
فأعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك والذنوب و المعاصى أخطر من الحية و الشفقة منها يجب أن تكون أعظم من رهبة الحية . و هذه الحية إن رأى البعض أنها لابد لها من جهاد كبير ، فهذا لا يتعارض مع دعوة صالحة ينتهى بها خطر الحية من جهة و ينصلح بها حال الملك و المملكة من جهة أخرى ، و لكل مقام مقال ، و هذه الأمة لن تستأصل شأفتها بسنة بعامة بفضل الله . بل لا نستبعد أن يكون تدبير الحية تدميرها و أن يرتد كيدها إلى نحرها ، فالرب قدير يؤيد دينه بالرجل الفاجر و بأقوام لا خلاق لهم ، لا نريد أن نكون حرباً على أنفسنا و أن نسعى جاهدين في أن نكون يداً واحدة نربى أنفسنا و الدنيا من حولنا على دين و نجاهد بشرع الله أعداء الله ، دون يأس أو قنوط ، و كلنا ثقة و يقين أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يضيع أجر المحسنين ، وأن العاقبة للمتقين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


الشيخ سعيد عبد العظيم