مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة الأحاديث الصحيحة مع شرحها من جمع وترتيب وإعداد اختكم الفقيرة
أم الإمام
11-13-2007, 06:24 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
على غرار ما طلبت منا الشيخة أم حذيفة جزاها الله خيرا ان نشارك في ذكر الأحاديث الصحيحة
فأنا هنا قد خصصت هذا الموضوع لأنقل لكم إن شاء الله تعالى يوميا دروس لفضيلة الشيخ سعيد شعلان يذكر فيها صحيح الأحاديث ويشرحها
بسم الله نبدأ
الدرس الأول:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد..
فقد عزمنا أن نبدأ من اليوم في كتابة ما ورد من القرآن والسنة في هذه المجالات (الأخلاق، الآداب، الرقائق) وذلك لسببين:
1- محاولة التصدي لما ينشر من أحاديث لا أصل لها تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الصحيح من أحاديثه صلى الله عليه وسلم يكفي ويشفي ويغني عن كل هذه المعاني التي يفرح العامة بالوقوف عليها من خلال تلك الاحاديث المكذوبات على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سنعمل إن شاء الله تعالى على التصدي لذلك بالإجتهاد في نشر ما هو صحيح رآجين من كل أخ وأخت حصل له الوقوف على ما ننشره أن يساهم بدوره في نشره بين أكبر عدد من المسلمين يمكنه نشره بينهم
وهنيئا لمن عزم على أن يشاركنا في أجر وثواب ذلك العمل الجليل.
2- السبب الثاني هو أن كثيرا من المسلمين والمسلمات في هذا العصر وهذه الأيام يظنون أن المطلوب من المسلمين هو العبادات فقط بينما هذا الدين الإسلامي العظيم يقوم على حقين : (حق الله، وحق المخلوقين) وحق المخلوقين هو الثمرة المترتبة على القيام بحق الله وهذه الثمرة تتجلى في حسن الخلق مع الناس كافة ومن حسن الخلق بر الوالدين وصلة الرحم ورعاية الجار والإحسان في معاملة كل من يكون بيننا وبينه معاملة إلى غير ذلك مما سيتبين بوضوح من خلال ما ننشره من
الموضوعات إنشاء الله تعالى. فمن اكتفى بالعبادات دون القيام بحقوق المخلوقين فقد زرع ولم يحصد وتعب ولم يسعد عافانا الله والمسلمين أجمعين من ذلك والآن ندخل في أول موضوع من تلك الموضوعات التي عزمنا على نشر الصحيح من الوارد فيها البر والصلة وقول الله تعالى :"ووصينا الإنسان بوالديه حسنا" (8) العنكبوت
"روى البخاري ومسلم عن بن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عزوجل ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله . قال حدثني بهن ولو استزدته لزادني إذا تأملنا في هذا الحديث العظيم وجدناه يطالبنا بالحقين اللذين يشتمل عليهما هذا الدين الإسلامي العظيم وهما حق الله وحق المخلوقين، فحق الله يتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة على وقتها) وذلك بأدائها في أول وقتها أو على الأقل قبل خروج وقتها ودخول وقت الصلاة التي بعدها وحق المخلوقين يتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم بر الوالدين)
والبر كلمة جامعة لخصال الخير فيجب على المسلم إذا كان يريد أن يكتب فيمن بر والديه أن يكون جالباً للخير إلى والديه دائماً مجتنباً لكل ما يسوءهما ويغضبهما ويحزنهما.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم الجهاد في سبيل الله) فذلك يشتمل على الحقين معا حق الله وذلك بطاعته سبحانه في الدفاع عن دينه ومقاومة كل عدو يسعى للنيل من هذا الدين دين الإسلام وإطفاء نور الله الذي يأبى الله إلا أن يتم كما أن في هذه الجملة قياماً بحق المخلوقين لأن هذا الدفاع وهذه المقاومة يحصل بها صيانة دماء وأعراض وأموال المسلمين وتمكينهم من عبادة ربهم وممارسة شئون حياتهم في أمان.
وأما قول ابن مسعود في آخر الحديث : (ولو استزدته لزادني) فإنه يدل على أدب عظيم يجب المحافظة عليه مع أهل العلم وذلك بعدم الإكثار عليهم فإن في الإكثار عليهم إدخالاً للمشقة عليهم وإملالاً لهم وقد اجتنب ابن مسعود رضي الله عنه فعل ذلك مع من هو قادر على الإجابة على أي سؤال وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي فكيف بمن هو دونه من أهل العلم الذين لهم قدرة محدودة تتناسب مع ما حصلوه من العلم بالإضافة إلى أنهم لا يوحى إليهم؟
وإلى اللقاء في الموضوع القادم إنشاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
سعيد شعلان
الدرس الثاني:
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة)) 2
(2(أحق الناس بحسن الصحبة
"روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال ثم أبوك".
التعليق على الحديث:
قد تقدم في الحديث الماضي أن حق الوالدين مقدم على حقوق جميع المخلوقين وهو أول حق يأتي بعد حق الله تعالى مباشرةً ولهذا قدمه رسول الله صلى الله عليه
وسلم
كما في الحديث الماضي حتى على الجهاد في سبيل الله وسيأتي لذلك مزيد من بيان في الموضوع القادم إن شاء الله تعالى.
وقد تبين في هذا الحديث الذي بين أيدينا أن حقوق المخلوقين إذا كثرت وتزاحمت فلابد من تقديم الوالدين بالبر والإحسان، وتقدم الأم على الأب فإن لها ثلاثة أمثال ما للأب من البر لأنها تنفرد بالحمل ثم الوضع ثم الرضاع ثم تشاركه في التربية.
وتقدم الأم أيضاً على جميع المخلوقين بصفةٍ عامة لما رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم
"عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال زوجها قلت فعلى الرجل؟ قال أمه".
وأخرج أبو داوود والحاكم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما " أن امرأةً قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاءً وثديي له سقاءً وحجري له حواءً وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال عليه الصلاة والسلام أنت أحق به ما لم تنكحي".
وهذا الحديث الأخير واضح في أن المرأة توصلت إلى اختصاصها بولدها واختصاصه بها في الأمور الثلاثة التي تنفرد بها الأم مع الرابع الذي تشارك فيه الأب كما تقدم فأشارت إلى الحمل بذكر البطن ثم ما يتبع ذلك من الوضع وذكرت إرضاعها له أيضاً
ثم تربيتها له بالاشتراك مع الأب.
ومن الجدير بالذكر أن الأجداد يقدمون على الإخوة لأنهم أصول والإخوة فروع وقد جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري في (الأدب المفرد) وابن ماجه
وصححه الحاكم عن المقدام ابن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
وفي رواية لهذا الحديث في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل السائل والقائل: "من أحق الناس بحسن صحابتي" قال له عليه الصلاة والسلام بعد قوله ثم أبوك: "ثم أدناك فأدناك".
ومعنى أدناك فأدناك: الأقرب فالأقرب كما في الحديث الذي قبله
وجاء في حديث أبي رمثة الذي أخرجه الحاكم وأصله عند أبي داوود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك فأدناك".
والمراد بالدنو: القرب إلى فاعل البر
وعليه فيكون الأبوان في مقدمة من نبدأ ببرهم ثم الأجداد ثم الإخوة ثم من كان قريباً لنا من جهة الوالدين ثم من كان قريباً لنا من جهة الأم وحدها ثم من كان قريباً من جهة الأب وحده ثم القريب من ذوي الرحم ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم يعني يقدم منهم من لا يجوز الزواج به من الأقارب على من يجوز الزواج به كبنت الأخت مثلا ً تقدم على بنت العم وهكذا ثم تأتي حقوق الأصهار وهم الذين
حصلت بيننا وبينهم الصلة عن طريق المصاهرة أي الزواج يعني أقارب كل من الزوجين ثم يأتي بعد ذلك الجار وسيأتي مزيد لبيان حق الجار مع بيان عناية الإسلام الشديدة به إن شاء الله تعالى وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرساله إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله
سعيد شعلان
الشيخ أحمد جودة
11-13-2007, 07:24 AM
الله أكبر ماشاء الله جزاك الله خيرا أختنا أم حمزة ونفعنا الله تعالى بك وجزى الله الشيخ خيرا
والحمد لله رب العالمين
أم حذيفة
11-13-2007, 04:51 PM
جزاك الله ونفع بك وبعلمك ...وجعل ماتكتبين في ميزان حسناتك في يوم تعز فيه الحسنات
ورزقك صحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ..ولذة النظر الى وجهه الكريم ..
موضوع مميز ماشاء الله ويستحق التثبيت
أم الإمام
11-13-2007, 06:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا أخي الشيخ الفاضل وأختي الشيخة الفاضلة على هذا الرد الجميل وأنا لا استحق هذا كله وكل ما عملته هو النقل من موقع الشيخ ليعم الخير والنفع للجميعز ولا حرمنا الله من ردودكم الطيبة وتوجيهاتكم الكريمة ودعواتكم الصادقة وجمعنا جميعا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله تعالى
وجزيتم خيراً على تثبيت الموضوع وكتب لكم مثل أجر فاعله آمييييييييييييين
أم الإمام
11-13-2007, 11:22 PM
لدرس الثالث
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة (3)
3- (لا يجاهد إلا بإذن الأبوين):
"روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أجاهد؟ قال ألك أبوان؟ قال نعم قال ففيهما فجاهد".
• التعليق على الحديث:
عرفنا فيما سبق أن بر الوالدين وطاعتهما والإحسان في معاملتهما أمر مقدم حتى على الجهاد في سبيل الله ثم هاهو ذا حديث آخر يدل على عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا َّ بإذن الوالدين وذلك كما قال جمهور أهل العلم في حالة كون الجهاد فرضَ كفاية أي هناك من يُغني من المسلمين في القيام به أما إذا طلب إمام المسلمين من جميع القادرين على الجهاد أن يجاهدوا فلا يشترط إذن الوالدين.
ومن العجيب أن بعض المسلمين – وبكل أسف – يسهلُ عليه الخروج إلى الجهاد ويفرح بذلك فرحاً عظيماً في الوقت الذي يصعبُ عليه بر الوالدين وإذا قام ببرهما لم يكن فرِحاً بذلك ولا مسروراً بل يظهر عليه الشعور بالتعب والمعاناة والضيق، وهذا مما يدل على أن هناك أموراً كثيرةً تحتاج إلى تصحيحِ فهمٍ لأن كثيراً من المسلمين وهم يريدون نيل رضا الله والفوز بثوابه يشتغلون بالمرجوح دون الراجح وبالمهم دون الأهم وينظرون لسبب عدم العلم إلى المرجوح والأقل ثواباً على أنه هو الراجح والأعلى أجراً ومن هنا تأتي المشاكل والمتاعب والخلافات والانتقادات.
وهناك حديث رواه أحمد وابن ماجه يدل على أن جهادَ عدوِّ الإسلام أهون بكثير جداً من المواظبة على الطاعات والصبر عليها والتي من أعظمها بر الوالدين.
ولهذا سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم المواظب على الطاعة الصابر عليها هو المجاهد الحقيقي لأن مجاهدة العدو من الممكن أن تنتهي بعد يوم واحد أو أكثر وحتى لو استمرت سنة ً فإن لها يوماً تنتهي فيه ولكن مجاهدة النفس في طاعة الله وفي الصبر على الطاعة أمر لا ينتهي إلا بالموت وخروج الروح.
" ونص الحديث عند أحمد وابن ماجه عن فضالة ابن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب".
فعلى كل مسلم أن يسأل أهل العلم الموثوق بهم في دينهم وعلمهم وعملهم: فيما أراد الإقدام على فعله تماماً كما فعل هذا الصحابي عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم واستأذنه في الجهاد فدلَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أفضل في حقه وهو بذل الجهد في بر الوالدين وفي إيصال الخير إليهما ودفع الشر والضرر عنهما فاعتبروا يا أولي الأبصار وصححوا المفاهيم وإياكم والعجلة والاندفاع والتهور والمشي وراء العواطف دون النظر فيما أوجبه العلم أو حرَّمه أو استحبه أو كرهه أو أباحه وأعني بالعلم العلم المتلقي من القرآن والسنة.
وقد روى أحمد والنسائي عن جاهمة ابن العباس ابن مرداس ما يحتمل أن يفسر به الرجل السائل عن الجهاد من هو.
وعليه فمن المحتمل أن يكون ذلك السائل هو جاهمة فإنه قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله أردت الغزو وجئت أستشيرك فقال صلى الله عليه وسلم هل لك من أم؟ قال نعم قال الزمها فإن الجنة تحت رجليها (هذا عند النسائي) (وعند أحمد) فإن الجنة عند رجلها".
وفي رواية لحديث عبدالله بن عمرو الذي ذكرناه في أول الموضوع عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل السائل ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.
وعند أبي داوود وابن حبان عن عبدالله بن عمرو: (ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما) ولأبي داوود وابن حبان أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للسائل ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما.
وفي هذا الحديث من الفوائد:-
1- فضل بر الوالدين.
2- تعظيم حقهما.
3- كثرة الثواب على برهما.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرسال الرسالة إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
أم الإمام
11-15-2007, 06:20 AM
الدرس الرابع
الأخلاق والادآب والرقائق من الكتاب والسنة (4)
4- (من أكبر الكبائر سبُّ الوالدين):
"روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعنَ الرجلُ والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجلُ والديه قال يسبُ الرجل أبا الرجل فيسبُ أباه ويسبُ أمه فيسبُ أمه".
• التعليق على الحديث:
قد تبين من خلال هذا الحديث أن من الأمور المحرمة تحريماً شديداً وتعتبر من الكبائر أن يتسبب المسلم في لعن والديه أو أحدهما، فكيف بمن لعن والديه أو أحدهما بنفسه مباشرةً، لا شك أن ذلك لو وقع لكان أقبح وأقبح وأشد تحريماً.
وقد جاء الحديث بلفظ:( أن يلعنَ الرجلُ) كما سبق وفي الأدب المفرد للبخاري بلفظ: (أن يسبَ الرجلُ) وفي لفظٍ آخر: (أن يشتمَ الرجلُ) مما يدل على عدم اشتراط لفظ اللعن بل كل لفظ يحصلُ به الانتقاص من قدرهما والإساءة إليهما وإحتقارهما فهو داخلٌ في كون ذلك من الكبائر.
وسيأتي في الموضوع السادس أن عقوق الوالدين من أكبرِ الكبائر، وسبٌ الوالدين فرض من أفراض العقوق.
ومن الملاحظ أنه قد كَثُرَ في هذه الأيام التساهل في تبادل السب بين الناس موجهاً إلى الوالدين اللذين لا ذنب لهما فيما وقع بين المتشاجرين من المغاضبة التي أدت إلى اللعن والسب والشتم، فليعلم كل متساهلٍ في هذا الأمر أنه قد ارتكب أمراً عظيماً وظلم والديه ظلماً شديداً كبيراً كثيراً حين تسبب في لعنهما وكان الأجدر به صيانة عرضهما عن التعرض للسب والشتم وما إلى ذلك من الإساءات إن كان حقاً من أهل بر الوالدين.
ولهذا استبعد الصحابة رضي الله عنهم وقوع هذا الفعل من صاحب طبعٍ مستقيم فبين عليه الصلاة والسلام أن السب وإن لم يقع من الأبناء في حق الآباء بأنفسهم مباشرةً فإنه قد يقع منهم التسبب فيه.
وهذا الحديث دليل لقاعدةٍ شرعيةٍ عظيمة النفع غايةٍ في الأهمية وهو أصلٌ في تلك القاعدة التي هي: (سدٌ الذرائع) والتي معناها إغلاق الأبواب أمام كل أمر يمكن أن يؤدي إلى ضرر كبير ومنكرٍ عظيمٍ وإن كان ذلك الأمر الذي يجب علينا أن نغلق أمامه الأبواب: أمراً جائزاً مباحاً.
فلننتبه إلى ذلك أشد الانتباه فإن كثيراً من الناسِ يظنون أن أي أمرٍ مباح يمكن فعله بدون حرجٍ وأنهم لا يؤاخذون على ما يمكن أن يتسبب فيه فعله لأنهم من وجهة نظرهم قد فعلوا مباحاً وهم غيرُ مسئولين في زعمهم عن نتائج ذلك الفعل وآثاره.
وهذا من أعظم أخطاء الناس في هذه الأيام فإن من أدى فعله المباح إلى محرمٍ: فقد ارتكب حراماً وإن لم يقصد إلى ما يَحرُم كما يعتذر المخطئون ويقولون: لم يكن هذا قصدنا.
ومن أدلة هذه القاعدة من القرآن قوله تعالى في الآية 108 من سورة الأنعام: "ولا تسُبٌوا اللذين يدعونَ من دونِ الله فيسبوا اللهَ عدواً بغير علم".
فإن هذه الآية الكريمة دلت على أن سب المعبودات المزعومة التي يعبدها المشركون من دون الله وإن كان أمراً مباحاً لأنها لا تستحق من العبادة شيئاً: فإن ذلك حرامُ ُ لأنه يؤدي إلى أن يرد المشركون على سب آلهتهم المزعومة بسب الله العظيم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وعليه فيحرم مثلاً على بائع العصير أن يبيعه لمن يتحقق أنه يتخذه خمراً كما يحرم على بائع السلاح أن يبيعه لمن يتحقق أنه يمارس به القتل والإفساد في الأرض وليس قصده من شرائه الدفاع عن نفسه أو أهله وولده.
وفي الحديث من الفوائد:
1- الدليل على عِظَمِ حق الأبوين.
2- جواز العمل بالغالب لأن الذي يسب أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه ويجوز أن لا يفعل، لكن الغالب أن يجيبه بنحوِ قولهِ أو يزيدُ عليه.
3- جواز مراجعة الطالب لشيخِهِ أو أستاذِهِ أو معلمِهِ فيما يقوله مما يصعب عليه فهمه أو لا يكون واضحا.
وإلى اللقاء في الدرس القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية من الجميع بإرساله إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
أم الإمام
11-15-2007, 07:46 AM
سأل الشيخ بعد الدرس
وأسأل فضيلتك { أسوة بجاهمه رضى الله عنه} أى العمل أفضل فى حقى بعد وفاة والدي ووالدتى ؟
فأجاب فضيلته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبعد:
جواب سؤالك القيم الذي يدل على أن كل مسلم يبلغه حكم شرعي أو أدب وخلق نبوي يجب عليه أن يحاول التطبيق والتنفيذ فوراً مبادراً إلى ذلك ، ومن هنا جاء سؤالك الذي من المفترض أن يسأله كل من بلغته هذه الأحاديث السابقة مع شرحها والتعليق عليها. والرد على السؤالي يكون بالحديثين الآتيين:
1- روى أبو داود برقم (5142) وابن ماجة برقم (3664) عن أبي أسيد الساعدي (مالك بن ربيعة) أنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يارسول الله: هل بقي من بر أبوي شيئ أبرهما به بعد موتهما، قال نعم: (الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما).
فهذه خمسة أمور يبر بهما الأبناء والديهم بعد موتهم :
1- الصلاة عليهما ، والمراد بالصلاة عليهما الدعاء لهما.
2- الاستغفار لهما، والمراد به الدعاء لهما أيضا ولكن بالمغفرة خاصة بينما كان المراد بالأمر الأول الدعاء لهما بشتى أنواع الأدعية فجاء الأمر الثاني وهو الاستغفار لهما ليبين أن من أهم الأدعية التي يجب أن يحرص عليها الولد لأبويه أن يسأل الله لهما المغفرة ، قال تعالى في (41) من سورة إبراهيم حاكيا دعاء إبراهيم عليه السلام: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) . وقال تعالى في الآية (28) من سورة نوح: (رب اغفر لي ولوالدي).
3- إنفاذ عدهما من بعدهما، أي القيام بتنفيذ وصيتهما إذا لم تكن مشتملة على محرم ولم تتجاوز ثلث تركتهما.
4- صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، أي صلة الأقارب الذين حصلت قرابتهم من جهة الوالدين كالأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبناء وبنات كل منهم.
5- إكرام صديقهما، أي لا يكتفى بالسؤال عن أقارب الوالدين ومساعدتهم بل علينا أن نكرم من كان لهما صديقا وذلك تماما كما فعل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما مع صديق أبيه كما في صحيح مسلم برقم (2552) أن ابن عمر رضي الله عنهما كان له حمارٌ يتروح عليه في السفر كنوع من الراحة والتغيير بعد الفترات الطويلة من ركوب الجمل ، فقابله رجل أعرابي في أثناء سفره ذات مرة فسلم الرجل على ابن عمر فعرفه وأعطاه حماره وعمامته التي كانت على رأسه فقال له اصحابه إن هذا الرجل من الأعراب وإنهم يكفيهم في العطية أقل من هذا بكثير فقال ابن عمر (إن هذا الرجل كان وداً لعمر وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول): (إن أبرَّ البر صلة الولد أهلِِ ودِ أبيه بعد أن يوليّ) والمراد بأبيه في هذا الحديث جميعا كما في الحديث السابق.
- وأحب أن انبه على أن الإنسان قد لا يستطيع القيام بكل هذه الأنواع من البر فعليه ان يبدأ بأول مذكور في الحديث الأول فإن أمكنه أن يدخل في الأمر الذي بعده ثم الذي بعده فليفعل وإن لم يمكنه فليفعل ما أمكنه بقدر المستطاع قال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
وفق الله الجميع لما فيه رضاه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سعيد شعلان
أم الإمام
11-16-2007, 06:34 AM
الدرس الخامس
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (5)
5- (إجابة دعاء من برَّ والديه):
" روى البخاري ومسلم عن بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما ثلاثةُ نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غارٍ في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرةٌُ من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحةً فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخانِ كبيرانِ ولي صبيةٌ صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبتُ بدأتُ بوالديَّ أسقيهما قبل ولدي وإنه نئى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عن قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج لنا فرجةً نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجةً حتى يرون منها السماء، وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عمٍ أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيتُ حتى جمعتُ مائة دينار فلقيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبدالله اتقِ الله ولا تفتح الخاتمة إلا بحقه فقمت عنها، اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها، ففرج لهم فرجةً وقال الآخر: اللهم إني قد كنت استأجرتُ أجيراً بفرق أرزِّ، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغِبَ عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً وراعيها فجاءني وقال: اتقِ الله ولا تظلمني واعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر وراعيها فقال: اتقِ الله ولا تهزأ بي فقلت: إني لا أهزأُ بك، فخذ تلك البقرَ وراعيها، فأخذه فانطلق، فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج ما بقي ففرج الله عنهم فخرجوا يمشون".
• التعليق على الحديث:
في هذا الحديث العظيم بيان للعاقبة المحمودة التي يُكرِمُ الله بها من برَّ والديه ومن استعفَّ عن الزنا ومن أدى الأمانة إلى أهلها، وإنما جعلنا الموضوع خاصا بمن برَّ والديه لتناسبه مع الموضوعات الماضية التي أوردناها كلها متعلقةً ببر الوالدين.
وكل مسلمٍ في هذه الأيام التي نتعرض فيها لصعوباتٍ كثيرةٍ وامتحاناتٍ واختباراتٍ وابتلاءاتٍ شاقة متتابعة- وهذا كله طبعاً بذنوبنا – في هذه الأيام والحالة كذلك: يحتاج كل مسلمٍ إلى أن يكون له عملٌ صالحٌ أخلص فيه لله سبحانه وفعله ابتغاءَ وجهه تبارك وتعالى ليتوسل به إلى الله سبحانه عند الشدائد والكربات ليكون ذلك سبباً لرضى الله عنه وكشفه سبحانه عن عبده ما نزل به من ضُر.
ومن الأعمال الصالحة المتيسرة لكل أحد: برُّ الوالدين إذ كل واحدٍ منَّا له والدان أو مات أحدهما وبقى الآخر أو ماتا جميعاً وبقيت من بعدهما قراباتٌ لهما يحصل بصلتهم برُّ الوالدين ولو بعد موتهما.
فبرُّ الوالدين ممكن في حياتهما أو بعد موتهما وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر أنه لقى أعرابياً في طريقه إلى المدينة فأعطاه عبدالله بن عمر حماره الذي كان يركب عليه وكساه عمامته التي كانت على رأسه فاستكثر أصحابه هذا الفعل مع ذلك الأعرابي وقالوا إنه كان يكفيه ما هو أقل من ذلك فقال بن عمر: إن هذا الرجل كان وُدَّاً لعمر وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أبرَّ البر أن يُكرمَ الرجل أهل وُدِّ أبيه.
فبَيَّنَ ابن عمر في حديثه أن بر الوالدين أمرٌ ميسورٌ لكل أحد حتى بعد موتهما وحتى لو لم تكن لهما قرابات وكان لهما أصدقاء فمن الممكنِ برهما من خلال أصدقائهما.
وقد تبَيَّنَ من خلال حديث النفر الثلاثة شدة صبر ذلك الرجل الذي كان باراً لوالديه وابتعد به طلب الشجر والمرعى فلم يعد إلى بيته إلا متأخراً وقد نامَ والداهُ فحلب ووقف بالحليب إلى جوارِ والديه حتى طلعَ الفجر ولم يمَلَّ من الإنتظار عِرفاناً منه بعظيم حق الوالدين وبياناً لكون كل عمل يُعمل براً لهما وطاعةً لهما وحنواً عليهما ورحمةً بهما: لا يعدُّ شيئاً في جانب ما يقومُ به الوالدان تجاه الأبناء عن طيب خاطر وحبٍ كبير لا حد له.
ومن العجيب أن الأبناء يتناسونَ كل ما مضى من جهد الأبوين في الحملِ والوضعِ والرضاعِ والتربيةِ وما يلحقهما من المتاعب في ذلك حتى يبلغ الأبناء مبلغ الشباب والقوة والاعتماد على النفس بعد الله تعالى، فيقابلون إحسانَ الوالدين بعد كِبَرِهما بالجفاء والجحود في الوقت الذي يبرون فيه الأزواج والأولاد والأصدقاء ويقدمونهم على المستحق الأول لذلك وهو الوالدان، ولذلك قال ابن الجوزي رحمه الله: (أحببتَ أولادكَ طبعاً فأحبِب والديك شرعاً).
أي كل إنسانٍ يحب أولاده حباً طبيعياً لا كلفةَ فيه، فإن لم يكن في قلبهِ حبٌ طبيعيٌ للوالدين فليكن فيه على الأقل: حبٌ شرعيٌ لهما يرجعُ إلى طاعةِ الله فيما أمر به من برهما وتقديمهما على كل أحد.
ولو كان بوسعنا أن نطيلَ في هذا الموضوع أكثر وأكثر لفعلنا لأن كثرةَ المشاغل في هذه الأيام وطغيانَ الماديات أثَّر تأثيراً سلبياً شديداً ملحوظاً على القيام بواجباتٍ يغضبُ الله على المتهاونين في حقها ويحرمهم رضاه وبركته ويبتليهم بأنواع العقوبات جزاءً لهم على إهمال تلك الواجبات التي من أوجبِها بر الوالدين والذي يعتبر الإخلال به أحد أهم أسباب معاناتنا ومتاعبنا في هذه الأيام، فنسأل الله تعالى أن يُبَصِّرِنا بعيوبنا وأن يردنا إلى الحق رداً جميلاً.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرساله إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
الشيخ أحمد جودة
11-16-2007, 07:50 AM
جزاك الله خيرا أختنا وبارك الله فيك وجزى الله الشيخ خيرا
نثيبة بنت كعب
11-16-2007, 07:53 AM
جزاكم الله خيرا جميعا كل من ساهم فى نشر هذا الكلام الطيب المبارك
ام زيد علي
11-16-2007, 07:55 AM
فعلا موضوع قيم جدا ونافع نفعنا الله بعلمكم وجزاكم الله خيرا
بنت بغداد الحبيبة
11-16-2007, 07:58 AM
جزاك الله ونفع بك وبعلمك ...وجعل ماتكتبين في ميزان حسناتك
أم الإمام
11-16-2007, 07:29 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل على ردكم الكريم ونفع الله تعالى منكم وبكم
وجزاكن الله خيراً أخواتي الفضليات الأخت الفاضلة نسبية بنت كعب والأخت الفاضلة أم زيد علي والأخت الفاضلة بنت بغداد ولا حرمنا الله منكن ولا من مروركن الطيب ودعائكن ونفعنا الله وإياكم جميعا بالعلم النافع والعمل الصالح
أم الإمام
11-17-2007, 05:22 AM
الدرس السادس
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (6)
6- (عقوق الوالدين من الكبائر):
"روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: الشركُ بالله، وقتلُ النفسِ، وعقوقُ الوالدين. فقال: ألا أأُنبئكم بأكبرِ الكبائر قال: شهادةُ الزور".
• التعليق على الحديث:
العقوق مشتقٌ من العقّ وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالدان من ولدهما من قولٍ أو فعلٍ.
ويخرج عن العقوق تمسُّك الولد بدينه وامتناعه من معصية الله حتى وإن طلب الوالدان منه التفريطَ في ذلك، فإنه إذا رفض طاعتهما فيما يُغضِبُ الله لم يعتبر عاقّاً.
وأيضاً لو تعنَّتَ الوالدان وتشددا مع ولدهما في طلباتهما ولم يكن في قدرة الولد واستطاعته الإستجابة لهما لم يكن بذلك عاقّاً.
ومما يؤسَفُ له في أيامنا هذه وقوع التقصير من الآباء في حق الأولاد ومن الأولاد في حق الآباء، وكلا الأمرين محرمٌ لأن الله تعالى قال للآباء في الآية 11 من سورة النساء: "يوصيكم اللهُ في أولادِكُم" وقال للأبناء في الآية 83 من سورة البقرة وغيرها من الآيات: "وبالوالدينِ إحساناً" ونظراً لأن الوالدين لهما مكانةٌ خاصةٌ فإنه لا يجوز للأولاد مقابلة تقصير الوالدين بالتقصير بأي حال من الأحوال بل عليهم إن جرى عليهم من الوالدين ما يؤلمهم ويحزنهم أن يصبروا ويحتسبوا ثواب صبرهم عند الله تعالى.
ومن العجيب أن بعض الآباء والأمهات يقابلون أدب بعض أولادهم وحسنَ خُلُقِهم وطاعتهم لهم وحرصِهم على رضا ربهم بسوءِ معاملةٍ لا تقع منهم في حقِ أولادهم الآخرين الذين لا يتحلون بالأدب وحسنِ الخُلُق، ويكلفون أولادهم الطيبين فوق طاقتهم محتجين عليهم بأن تدينهم يفرضُ عليهم الطاعة وعدمَ الاعتراض مهما كان الأمر.
وهذا الحال يُذَكِّرُ بالحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن أمُهُ حلفت أن لا تكلمه حتى يكفُرَ بدينه- وهو دينُ الإسلام الذي كان سعد من السابقين إلى الدخول فيه – واستندت في ذلك إلى أن الله عزوجل يأمر المسلمين بطاعة الوالدين وبرِّهِما، فأجابها سعدٌ بكلامٍ شديدٍ فيه قسوة فأنزل الله تعالى في تحريمِ هذا الأمر وما يشبهه في حق الوالدين قوله تعالى في الآية 14 ، 15 من سورة لقمان: "ووصينا الإنسانَ بوالديه حملته أمُّهُ وهناً على وهن وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولِوالِديكَ إليَّ المصير* وإن جاهداكَ على أن تُشرِك بي ما ليسَ لكَ به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهُما في الدنيا معروفاً واتبع سبيلَ من أنابَ إليَّ ثم إليَّ مرجِعُكم فأُنبئكم بما كنتم تعملون".
وأما معنى الكبائر:
فهي جمع كبيرة وهي كل معصيةٍ ورد عليها في القرآن أو السنة وعيدٌ من الله بالنار أو اللعنة أو الغضب أو الأمر بإقامة الحد عليه.
ولا يُنجى من العقوبة على الكبيرة إلا توبةٌ نصوح بشروطها المعروفة من :-
1- الإخلاصُ لله في هذه التوبة بحيث لا تكونُ خوفاً من الفضيحةِ بين الناس أو التعرضِ للسجن والحبس أو أي نوع من أنواع العقوبات.
2- الندم على فعلِ تلك الكبيرة.
3- الإقلاعُ عن فعلها.
4- العزمُ على عدمِ العودةِ إلى فعلها.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمة الكبائر كما في الحديث الذي بين أيدينا: "الشرك" فإنه لا ينفعُ أحداً أيُّ عملٍ من الأعمال الصالحة إذا كان مشركاً.
وذكر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك قتل النفوس المعصومة إلاّ إذا وقع القتلُ جزاءً شرعياً في حدٍ من الحدود كما هو مُبَيَّن في القرآن والسنة.
ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوقَ الوالدين، فاحذروا أيها المسلمون فإن عقوق الوالدين سببٌ لكل حرمان ولكل خسران في الدنيا وفي البرزخ حال الإقامة في القبور وفي الآخرة بينما طاعةُ الوالدين بالشروط التي سبق بيانها سببٌ للسعادة في الدور الثلاثة: (الدنيا، والقبر، ويوم القيامة).
ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أكبر الكبائر شهادة الزور وإن كانت وردت بلفظ: (ألا أأنبئكم بأكبر الكبائر).
لكن المراد من أكبر الكبائر لأنه ليس هناك ما هو أكبر من كبيرة الشرك وهذا واضح يُعرَفُ بجمع النصوص بعضها إلى بعض فليس من شأنِ طالب العلم أن يستشهِدَ بنصٍ واحدٍ في موضوع قد وردت فيه نصوصٌ كثيرة تساعد على فهم المعنى فيختار منها نصاً ويتمسك بمعناه الظاهر المتبادر إلى الذهن فيضرُّ نفسه وغيرهُ بهذا الفهم القاصر المحدود.
وإنما كانت شهادة الزور من الكبائر لما يترتب عليها من الظلم والبغي على الناس وسلبهم حقوقهم والإفساد في الأرض التي نهى الله عن الإفساد فيها بعد إصلاحها من قِبلِ الله تعالى كما قال سبحانه في الآية 56 من سورة الأعراف: "ولا تُفسِدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحها".
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرساله إلى من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
أم الإمام
11-18-2007, 06:56 AM
الدرس السابع
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (7)
7- (صِلةُ الوالد المُشرِك والأخ المُشرِك):
"روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أتتني أمي راغبة ً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم أأصِلُها؟ قال: نعم".
"وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأى عمرُ حُلَّة ً سِيَراء تُباعُ فقال: يا رسول الله ابتَع هذه والبَسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفود، قال: إنما يلبسُ هذه من لا خلاقَ له. فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم منها بحُلَلٍ فأرسلَ إلى عمر بحُلَّةٍ فقال: كيف ألبسُها وقد قُلتَ فيها ما قلت؟ قال: إني لم أُعطِكها لِتَلبَسَها، ولكن تبيعها أو تكسوها. فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهلِ مكة قبل أن يٌسلِم".
• التعليق على الحديثين:
أفادَ الحديث الأول أن والدة أسماء قَدِمَت من مكة إلى المدينة وهي مشركةٌ- كما ثبت في روايةٍ أخرى- لتزورَ بنتها أسماء وتنال مما عندها من الخير. فاستفتت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، ونظراً لِعِظَمِ حق الوالدين على الأبناء ولو كانا مشركين. فقد أفتى النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بِصِلَتِها مما يدل على أن حق الوالدين ثابتٌُُ لا يمنعُ من أدائه شيءٌ ولا حتى الشرك.
فليحذر كل من أهدر حقوق والديه بالرغم من إسلامهما وإيمانهما وحسن خُلُقِهِما وحنانهما وعطفهما عليه ولا يوجد أي مبرر يدعو إلى التقصير في حقهما إلا أن يكون ذلك المُقَصِّر قد انطمست بصيرته وباع الآخرة بالدنيا، وذُكِّرَ فأعرضَ عنها ونسى ما قدمت يداه، فليحذر يوم يُوَفِّيه الله حسابه ويعلم أنه قد ظلم نفسه ظلماً شديداً كبيراً حين ظنَّ يوم بَخِلَ عن والديه أنه يوفر لنفسه الحظوظ ويصونها عن الحاجة بتوفير كل ما يمتلكه على نفسه فإذا هو يوم القيامة يعلمُ علمَ اليقين أنه كان من أشدِ الناس قسوة على نفسه وظلماً لها حيث جهَّزها إلى النار مُثقلة ً بعظيم الأوزار والذنوب التي يأتي في مقدمتها إهدارُ حق الوالدين.
وأما الحديثُ الثاني فقد دلَّ أيضاً على أن الشرك لا يمنع من صلة الرحم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رفض عرض عمر بن الخطاب بأن يشتري الحلة السيراء- والحلة هي لباسٌ من ثوبين ولا يقالُ لها حلة إلا إذا كانت كذلك - .
- والسيراء هي الحلة التي فيها خيوطٌ من حرير- وإنما رفضها النبي صلى الله عليه وسلم لكونِ الحرير محرماً في الإسلام على الرجال هو والذهب بينما هما حلالٌ للنساء، ولا يجوزُ من الحرير للرجال إلا ما كان على قدر أربعةِ أصابع في الثوب الواحد مجتمعة ً كانت أو متفرقة، وقد رَخَّصَ النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الكامل من الحرير لمن كان مريضاً بمرضٍ جلدي لا يناسبه لبسُ شيءٍ إلا الحرير.
واعتذر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر بأن المانع من شراء هذه الحلة التي فيها خطوطٌ من حرير هو أن من لبسها لا يكون له نصيبٌ من الخير في الآخرة.
ثم ما إن مضت الأيام حتى أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بِحُللٍ من نفس النوع الذي رفضَ قبل ذلك عرض عمر بشرائه. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بواحدةٍ من تلك الحلل إلى عمر فجاء عمر كما في بعض الروايات وهو يبكي ويقول: يا رسول الله قلت: إنما يلبسُ هذه من لا خلاق له ثم ترسلُ بها إليَّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني لم أرسل بها إليك لتلبسها ولكن لتبيعها فتستفيد منها مالاً أو تهديها إلى من تشاء فطابت نفسُ عمر بعد أن كانَ قد خشي على نفسه خشية ً عظيمة ً وأرسل بالحلة إلى أخٍ له بمكة كان مشركاً ولم يُسلِم بعد.
فدل ذلك على جواز تأليف قلوب غير المسلمين لعلها تنفتح وتنشرح لقبول الإسلام والدخول فيه فتفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرساله إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
أم حذيفة
11-18-2007, 08:30 AM
http://img179.imageshack.us/img179/3946/jazakkc3.gif
أم الإمام
11-19-2007, 05:52 AM
جزاكي الله خيرا شيختنا الحبيبة على مرورك الطيب
أم الإمام
11-19-2007, 05:53 AM
الدرس الثامن
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (8)
8- (فضلُ صلة الرحم):
" روى البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا ً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحِلَتِهِ فقال يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعبدُ الله لا تشرك به شيئاً؟ وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصلُ الرحم، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أجابهُ: دَعِ الناقة".
• التعليق على الحديث:
دينُ الإسلام دينٌ يدعو أهله إلى أن يكونوا متحدين متواصلين متقاربين متعاونين متكافلين.
دينٌ ينهى أهله عن الخصومةِ والفًُرقة ويبشر المطيعين في ذلك برضا الله وتوفيقه في الدنيا والآخرة، ويتوعد من خالف في ذلك وكان سبباً في شقاقٍ واختلافٍ وقطيع رحمٍ وفرقة: يتوعده بغضبِ اللهِ وخلاذنه في الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه ونعوذ به تعالى من غضبه وخذلانه.
وفي هذا الحديث قصةُ رجلٍ حريص على أن تكون عاقبته إلى الجنة فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي على راحِلَتِه أي راكبٌ ناقته فأوقف الرجلُ الناقة وأمسك بها وسألَ النبي صلى الله عليه وسلم أهم سؤال يمكن أن ينشغل به البال وهو: ما هو السبيل إلى دخول الجنة والنجاة من النار؟
فأخبره عليه الصلاة والسلام أن السبيل هو القيام بالحقين اللذين فرضهما هذا الدين العظيم وهما: حقُّ الله، حقُّ المخلوقين.
فأما حق الله فيتمثل في توحيده سبحانه في العبادة والاستعانة والأسماء والصفات وعدم الشرك به سبحانه مع المحافظة على الصلوات في أوقاتها وعدم إخراجها عن تلك الأوقات إلا بعذرٍ شرعي مقبول كقصر الصلاة في السفر مع الجمع بين الظهر والعصر في وقتٍ واحد والمغرب والعشاء في وقتٍ واحدٍ وكالمريض الذي يجمعُ بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء بدون قصرٍ وذلك بسببِ مرضه، وكالمتعب الذي يخشى بسبب شدة إرهاقه إن نام أن تفوته الصلاةُ القادمة فيجمع أيضاً بين الصلاتين بدون قصر، وكالنائم الذي يمتدُ نومه فتفوته الصلاةُ فيقضيها بعد استيقاظه.
فهذه هي الأعذار الشرعية المقبولة لإخراج الصلاة عن وقتها.
وأما أنواع التوحيدُ الثلاثة التي سبق ذكرها وهي توحيد العبادة، الاستعانة، الأسماء والصفات: فإنها تتحقق بأن تصرفَ جميعُ العبادات إلى الله تعالى ويدخل ُ فيها الدعاء والنذر والذبح والتوسل والاستغاثة بالإضافة إلى ما هو معروف من العبادات، كل ذلك لا يجوز صرفه إلاَّ إلى الله فإن صرف العبدُ شيئاً منها لغير الله فقد أخَلَّ بأهم نوعٍ من أنواع التوحيد.
وأما توحيدُ الاستعانة وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية: فإنه يتحقق بإفراد الله وحده بالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة بحيثُ لا ينسبُ
شيءٌ من ذلك لغيرِ الله.
وأما توحيد الأسماء والصفات: فإنه يتحقق بالإيمان وبإثبات كل اسمٍ أو صفةٍ وردت في القرآن أو السنة مضافة ً إلى الله تعالى فنؤمن بأنه من أسمائه سبحانه الرحمن والرحيم لأنه سبحانه سمَّى نفسه بذلك في سورة الفاتحة ونؤمن بأن من صفاته سبحانه الرحمة لأنه سبحانه وصف نفسه بذلك في الآية 58 من سورة الكهف فقال تعالى: " وربك الغفور ذو الرحمة".
ونؤمن بأن من أسمائه سبحانه الجميل لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بذلك فيما رواه مسلم من حديث عبدالله بن مسعود.
وإن قرأنا مهما قرأنا أو سمعنا مهما سمعنا من يمنع من إثباتِ الأسماء والصفات لله تعالى بحجةِ أن ذلك يعتبر تشبيها لله تعالى بخلقه: رفضنا ذلك رفضاً شديداً لأنه كما أنَّ لله تعالى ذاتاً لا تشبهها ذواتُ المخلوقين فله أسماءٌ وصفاتٌ لا تشبهها أسماءُ وصفاتُ المخلوقين وإن اشتركت معها في اللفظ.
وأما الحق الثاني من حقوق هذا الدين العظيم والذي اشتمل عليه هذا الحديث فهو حقُ المخلوقين، ومن أحق المخلوقين بالصلةِ والتقديم: الأقارب الذين بيننا وبينهم نسب كما تقدم إيضاحه في الموضوع الثاني والذي كان بعنوان: "أحق الناس بحسنِ الصحبة".
ففي الحرص على صلة الرحم الخيرُ كله وفي القطيعة الحرمان من الخير والشقاءُ والخذلان كما سيأتي في الموضوع القادم.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
برجاء إرسال هذا الدرس إلى كل من تعرف مع وصية الجميع بإرساله إلى كل من يعرفون ليعظم أجركم ويزداد ثوابكم وفقكم الله.
سعيد شعلان
أم الإمام
11-20-2007, 05:58 AM
الدرس التاسع
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (9)
9- (إثمُ القاطع):
"روى البخاري ومسلم عن جُبير بن مُطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخلُ الجنةَ َقاطع".
• التعليق على الحديث:
المراد بالقاطع في هذا الحديث: قاطعُ الرحم كما رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد.
وسأكتفي في التعليق على هذا الحديث بذكر بعض الأحاديث التي تَزيد معنى الحديث الذي بين أيدينا إيضاحاً وتبين أن قاطعَ الرحم لا يعاقبُ في الآخرةِ فقط بل يُعَجِّلُ الله له العقوبة في الدنيا حتى يكون ذلك زاجراً لنفوسٍ كثيرةٍ لا يمنعها من عملِ السيئات إلا مخافة العقوبات.
"روى بن حبَّان والحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال "لا يدخلُ الجنة َ مدمنُ خمرٍ، ولا مُصدقٌ بسحرٍ، ولا قاطعُ رحمٍ".
"وروى أبو داوود عن أبي بَكرَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخرُ له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم".
"وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أعمالَ بني آدم تُعرَضُ كل عشيةِ خميس ليلة الجمعة، فلا يقبلُ عمل قاطع رحم".
"وروى أيضاً في الأدب المفرد عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرحمة َلا تنزلُ على قومٍ فيهم قاطعُ الرحم".
فتبين من الحديث الأخير أن قطيعة الرحم لا يتضرر بها القاطعُ فقط بل يتضررُ بشؤمها القوم أو الجماعة أو البيت أو الأسرة التي يعيشُ فيها إنسان قاطعٌ للرحم.
فمن يرضى لنفسه هذه العقوبة في الدنيا والآخرة؟
إنه لا يفعل ذلك إلا مخذول محروم نسألُ الله العافية.
وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سعيد شعلان
أم الإمام
11-21-2007, 05:47 AM
الدرس العاشر
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة (10)
10- (أجرُ صلةِ الرحم والتحذير من قطيعتها):
"روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحبَّ َ أن يبسط له في رزقهِ وينسأ له في أثرهِ فليصل رحمه".
"روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق حتى إذا فرِغ َ من خلقِه قالت الرحم: هذا مقام العائذِ به من القطيعة قال: نعم، أما ترضين أن أصِل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلا يا رب، قال: فهولك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرؤوا إن شئتم: ((فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)) الآية 22 من سورة محمد".
• التعليق على الحديث الأول:
لا شك أن كل إنسان يتمنى في هذه الحياة أمنِيَتَين هامَّتَين وهما:
1- الرزقُ الواسع.
2- البركة في الوقتِ والعمر.
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحقيق هاتين الأمنيتين طريقاً سهلاً واضحاً وهو صلةُ الرحم، فإن الله تعالى يُنعِمُ على من كان واصلاً لرحمه بالرزق الواسع الذي يغنيه عن الحاجة إلى الناس، وبالبركة في عمره التي تمكنه من أن يعملَ أعمالاً صالحة ً لا يتمكن غيرُه ممن قطعَ رحمه من أن يعملها في أضعافِ أضعافِ عمره.
• التعليق على الحديث الثاني:
في هذا الحديث بيانُ أجرِ واصل رحمه وهو أن الله تعالى يصله، وياله من أجرٍ. وبيانُ عقوبة قاطع الرحم وهي أن الله تعالى يقطعهُ، ويالها من عقوبة، فنسأل الله تعالى التوفيق ونعوذ به سبحانه من الخذلان. وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سعيد شعلان
الشيخ أحمد جودة
11-21-2007, 06:18 AM
ماشاء الله تبارك الله أختى الله يرضى عنك ويرحم والديك
جزاك الله عنا خيرا
أم الإمام
11-22-2007, 05:53 AM
الدرس الحادي عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
11/ من هو الجدير بوصف واصل الرحم؟
روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.
التعليق على الحديث:
درجات الناس في صلة الرحم ثلاث:
1- واصل، وهو الذي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يصل رحمه وأقاربه وإن قطعوه.
2- مكافئ، وهو الذي يصل قريبه بمثل ما وصله به قريبه.
3- قاطع، وهو الذي يقابل صلة قريبه له بالقطيعة.
فإن فرضنا أن هناك قريبين متقاطعين، فمن بدأ منهما فوصل قريبه كان من النوع الأول وهو الواصل. فإن كافأ القريب الثاني قريبه الواصل وأعطاه نذير ما أخذ منه كان من النوع الثاني وهو المكافئ. فإن لم يرد القريب الثاني على صلة القريب الأول واستمر على قطيعته فهو بالتأكيد من النوع الثالث وهو القاطع.
ومن العجيب انتشار نوعية من المسلمين في أيامنا هذه يقول الواحد منهم: أنا لا أزور إلا من زارني، ولا أتصل إلا على من اتصل علي، إلى غير ذلك من الأقوال التي تدل على أنه يرى لنفسه الحق على جميع الناس ولا يرى لأحد عليه حقاً فنسأل الله الهداية والتوفيق. وإلى اللقاء القادم إنشاء الله.
حق الخالق والمخلوق
سعيد شعلان
أم حذيفة
11-23-2007, 01:17 AM
http://www.alfrasha.com/up/158775260374605195.gif
أم الإمام
11-23-2007, 05:35 AM
جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل وشيختنا الفاضلة على مروركم العطر
أم الإمام
11-23-2007, 05:37 AM
الدرس الثاني عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
12/ رحمة الأولاد وتقبيلهم ومعانقتهم ومداعبتهم.
1- روى البخاري عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعليّ قميص أصفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا سنا يا أم خالد – قال عبدالله بن المبارك أحد رواة الحديث: معناها بالحبشية حسنة- قالت أم خالد: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزَبَرَنِي أبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: َأبْلي وأخلقي ثم أَبْلي وأخلقي ثم أَبْلي وأخلقي. فبقي ذلك القميص زمناً طويلاً بسبب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
التعليق على الحديث:
لم تكن أم خالد قد تجاوزت الخامسة من عمرها حين أعطاها إمام الخلق جميعاً ورئيس الدولة الإسلامية في أول عهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقته بالرغم من ضخامة مسؤولياته، جزاه الله عنا خير الجزاء في ما قدمه لنا في هذا الحديث من الأسوة والقدوة، فإن أم خالد لم تكن من أولاده صلى الله عليه وسلم ولا من أحفاده، ومع ذلك تفرغ لها وداعبها وخاطبها بكلمةٍ من لغة القوم الذين كانت تعيش بينهم في الحبشة قبل أن تهاجر مع أبيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وتركها تلعب بخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، ولما زجرها أبوها ونهاها عن ذلك منعه النبي صلى الله عليه وسلم من زجرها وتركها تلعب بهذا الجزء الشريف من جسده الشريف ثم دعى لها في نهاية هذه القصة بطول العمر حين دعى لها بخصوص قميصها الجميل بأن تعيش وتلبس الجديد حتى يصير قديماً ثم تلبس جديداً حتى يصير قديماً وهكذا مما يستفاد منه الدعاء لها بطول العمر.
فماذا نقول لأنفسنا في هذه الأيام ونحن لا نجد وقتاً لأولادنا فضلاً عن أولاد غيرنا؟!
فلا شفقة ولا مداعبة ولا تقبيل ولا معانقة مما يؤدي إلى وجود جيلٍ عاجزٍ عن العطاء لأنه تربى على الحرمان.
2- روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ولده إبراهيم فقبله وشمّه.
التعليق على الحديث:
أنظر إلى معاني موضوعنا كلها تجدها واضحةً فيما ورد في هذا الحديث من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع ولده إبراهيم.
3- روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن حفيديه الحسن والحسين: هما ريحانتاي من الدنيا.
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث إشارةٌ إلى ما يجب على الوالدين نحو صغارهما من وصفهم بأجمل وأحسن الأوصاف التي تكسبهم الثقة وتدخل عليهم السرور.
4- روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهنّ كُنّ له ستراً من النار.
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث بيانٌ واضحٌ للرحمة العظيمة بالأولاد وخصوصاً البنات، وفيه بشارةٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان رحيماً بأولاده عموماً وبناته خصوصاً، كانت البنات لذلك الوالد الرحيم ستراً من النار يوم القيامة، أي كان ثواب الإحسان إليهن حاجزاً بينه وبين النار.
5- روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأُمامة بنت أبي العاص _ وهي بنت ابنته زينب _ على عاتقه، فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها.
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث إشارةٌ إلى منتهى الرحمة والرفق من النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الصغار حتى إن حفيدته تعلقت به صلى الله عليه وسلم وهو خارجٌ إلى الناس ليصلي بهم صلاة الفريضة كما ثبت في رواية من صحيح مسلم فحملها وهو يصلي بالناس إماماً فكان يضعها على الأرض إذا ركع أو سجد ويحملها إذا قام. كما أن في الحديث أحكاماً فقهيةً كثيرةً تتعلق بالصلاة تتلخص في:
1- جواز حمل الأطفال حال أداء الصلاة ولو كانت صلاة الفريضة، ولو كان المصلي هو الإمام.
2- عدم تأثير ما قد يكون في ثوب الطفل المحمول أثناء الصلاة من النجاسة على صحة صلاة من يحمله وهو يصلي.
3- عدم صحة ما يقوله بعض الفقهاء من أن كثرة الحركات في الصلاة تبطلها والحديث واضحٌ في ذلك.
4- عدم صحة ما يذهب إليه كثير من المسلمين في هذه الأيام من تأخير الأطفال إلى الصفوف الخلفية في الصلاة وإن كان الأطفال قد سبقوا الكبار بالحضور إلى الصلاة مع ما يقع من القسوة على الأطفال في حرمانهم من الصف الأول الذي سبقوا غيرهم إليه ودفعهم بعنف إلى الصفوف الخلفية وليس لهذا الفعل مستندٌ ولا دليلٌ كيف والنبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الأطفال في الصفوف التي سبقوا إليها فحسب بل يحمل على عاتقه طفلةً لتكون مع الإمام أمام جميع المصلين. والأحاديث التي يحتج بها المتعاملون مع الأطفال بقسوة والتي وردت عند ابن ماجة وغيره بلفظ: (جنّبوا أطفالكم ومجانينكم المساجد) كلها لا تصح بل الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما شاهدةٌ على خلاف ذلك ظاهرةٌ واضحةٌ في إثبات دوام وجود الأطفال في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه عليه الصلاة والسلام ليراعي وجودهم ويخفف صلاته إذا سمع بكاءهم رحمةً بأمهاتهم كما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين.
فارحموا أولادكم أيها المسلمون وداعبوهم ولاعبوهم وأعطوهم من وقتكم فهم ذخيرة المستقبل لدين الإسلام فكيف ننتظر العطاء ممن نشأ محروماً؟! فالله الله في الصغار والأسوة الأسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم في معاملتهم. وإلى اللقاء القادم إنشاء الله.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
11-24-2007, 05:32 AM
الدرس الثالث عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
13/ فضل من يعول يتيماً
روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال (يعني وأشار) بإصبعيه السبابة والوسطى.
التعليق على الحديث:
يشير هذا الحديث العظيم إلى سرعة دخول كافل اليتيم الجنة ومرافقته للنبي صلى الله عليه وسلم وقرب منزلته منه، وقد روى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
أنا أول من يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي. والمراد بالمبادرة محاولة دخول الجنة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده مباشرة. وإنما كان كافل اليتيم بهذه المنزلة لأنه يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من عمله العظيم وقيامه بتبليغ الرسالة لأن النبي يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه.
ولا بد من إحسان أدب اليتيم لأن الرحمة به قد تؤدي إلى السكوت عن سوء خلقه وأدبه ولهذا أخرج الطبراني من حديث جابر قال: قلت يا رسول الله: مما أضرب منه يتيمي؟ قال: مما كنت ضارباً منه ولدك غير واقٍ مالك بماله.
والمراد بالجملة الأخيرة من هذا الحديث أن لا يجعل كافل اليتيم مال اليتيم الذي هو قائمٌ عليه وقايةً لماله الشخصي بأن يجعل نفقته ونفقة اليتيم من مال اليتيم وحده مع توفير ماله فإن هذا من أعظم الخيانة والعياذ بالله.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
11-25-2007, 07:14 AM
الدرس الرابع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
14/ الساعي على الأرملة والمسكين
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل).
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث النبوي الشريف بيان لعظم أجر كفالة الأرملة التي فقدت زوجها الذي كان يعولها وعظم أجر كفالة المسكين الذي أسكنته الحاجة فدعى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أمته المسلمة إلى أن يكونوا إخوانا لهذه الأرملة ولهذا المسكين وأن يصبروا على مواصلة الكفالة فإذا فعلوا ذلك كانوا كمن جاهد أعداء الله في سبيل الله أو كمن واظب على صيام النهار طول السنة فيما عدا الأيام التي لا يجوز صومها كما هو معروف ومبين في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا كمن واظب على قيام الليل طول السنة ، وياله من عملٍ أعني كفالة الأرملة والمسكين رفع الله مكانته وأعظم أجره حتى بلغنا عنه سبحانه رسولَه ونبيَه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا الأجر مساوٍ لأجر الجهاد في سبيل الله والصيام على الدوام وقيام الليل أيضا على الدوام. فانظروا رحمكم الله إلى عناية الله تبارك وتعالى الكريمة بعباده يرفع أجرَ المتكفلِ بالأرملة والمسكين على هذا الحد ليكون حافزاً عظيما لكل من سمع به على القيام بهذا العمل ، ومن هنا نكون آمنين من خروج الأرامل والمساكين عن الإيمان بقضاء الله وقدره إلى السخط والاعتراض بسبب فقد العائل من ناحية وإهمال الإخوان في الدين من ناحية أخرى وعجزهم أعني الأرامل والمساكين بسبب ضعفهم عن القيام بما يصلح أمرهم فإذا حرصت الأمة كلها على مراعاة هذه المعاني لم تجد مبالغاً في الأحزان بسبب الخوف على ماهو آت ولا متسخطاً على القدرِ بسبب ما فُقد وفات لأن الزوج وإن كان قد مات وفقدت رعايته المعنوية فلم تفقد رعايته المادية لأن قد ترك إخواناً مؤمنون بالله واليوم الآخر لا تسكن نفوسهم وفيما بينهم أصحابُ حوائج يبيتون ويصبحون في همٍ وغمٍ نفوسهم قلقة مضطربة لا تكاد تعرف طعم السكون والطمأنينة. وإذا كانت الأمة بهذه المثابةُ فحتماً تكون عزيزةً منصورةً جديرةً برضا الله مؤيدةً بتوفيقه والله أعلم.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
11-25-2007, 07:59 AM
جزاكم الله خيراً وغفر لكم فأنا لم أعد ولم أرتب ولم أجمع أي شيئ وأنما نقلت لكم دروس الشيخ سعيد شعلان من موقعها
أم الإمام
11-27-2007, 12:27 AM
الدرس الخامس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
15/ حسن العهد من الإيمان
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غرت على خديجة، ولقد ماتت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيتٍ في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة ثم يُهدي في خُلَّتِها منها).
التعليق على الحديث:
معنى هذا الموضوع استمرار تذكر الأيام الطيبة والأحوال الجميلة التي جمعت بينك وبين أي إنسان وألا يكون الفراق أو طول المدة التي باعدت بينك وبين أحبابك سبباً لنسيان العلاقات الطيبة فإن هذا التذكر هو حسن العهد وحسن العهد من الإيمان.
كما روى البيهقي والحاكم عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخيرٍ بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قالت عائشة قلتُ يا رسول الله: تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.
وفي حديث البخاري ومسلم الذي ذكرناه في أول الموضوع ما يشير إلى أنه لم يكن يمنعه صلى الله عليه وسلم من ذكر خديجة خوفه من استيلاء الغيرة على عائشة لأن ذكره صلى الله عليه وسلم لخديجة لم يكن بقصد إغاظة عائشة وإنما لبيان أن حسن العهد من الإيمان حتى يحمله صلى الله عليه وسلم حسن العهد على أن يهدي من الشاة التي يذبحها إلى صديقات خديجة بعد موتها.
وإلى اللقاء القادم بإذن الله.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
11-27-2007, 05:33 AM
الدرس السادس عشربسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
16/ رحمة الإنسان والحيوان
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة في مائة جزءٍ فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.
التعليق على الحديث:
الرحمة صفة ثابتة لله تعالى وهي غير مخلوقةٍ لأن صفاته سبحانه من ذاته وذاته غير مخلوقة، وعليه فهذا الحديث في الرحمة التي هي فعلُ الله لا في الرحمة التي هي صفة الله. وهذه الرحمة التي هي فعل الله: جعلها الله مئة جزءٍ، فأمسك منها عنده سبحانه ليوم القيامة وأهواله تسعةً وتسعين جزءاً وأنزل منها جزءاً واحداً منه يتراحم جميع الخلائق في الدنيا حتى الحيوانات فيما بينها، فكيف تتصورون أهوال يوم القيامة التي تحتاج إلى ما يساوي ما هو بيننا اليوم من الرحمة تسعاً وتسعين مرةً؟! لا شك إذن أنها أهوال تفوق الوصف وتفوق الخيال، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين الأمن يوم الفزع والنجاة من النار والفوز بالجنة.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
11-28-2007, 05:55 AM
الدرس السابع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
17/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن مالك بن الحويرث قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة (يعني شباباً) متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلةً فظن أنّا اشتقنا أهلنا وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه وكان رفيقاً (وفي رواية رقيقاً) رحيماً فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومُروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم.
التعليق على الحديث:
لكونه صلى الله عليه وسلم كان رقيقاً رحيماً فإن همه لم يكن منصباً على تعليم المؤمنين فحسب بل كان يتفقد أحوالهم ويراعيهم حتى إنه ليراقب ما يظهر عليهم من العلامات الدالة على ما يشغل نفوسهم فيتدارك كل واحدٍ منهم قبل أن تؤثر عليه الشواغل فتتغير نفسه. فأين المعلمون اليوم من هذه الرحمة ومن هذا الخلق؟ وأين نحن جميعاً على اختلاف أعمالنا من هذه الأسوة الكريمة والقدوة العظيمة؟!
انظروا وتأملوا واعزموا على التأسي.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-03-2007, 07:19 PM
الدرس الثامن عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
18/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجلٌ يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجرٌ.
التعليق على الحديث:
هذا حديثٌ من أحاديث كثيرة تؤكد شمولية هذا الدين وعظمتَه وما جاء به من الرحمة التي لا يُحرم منها أحد ولا حتى الحيوان، رحمةٌ يدخل فيها المسلم وغير المسلم ولا يتعارض ذلك مع إقامة دين الله في الأرض لأن ما يحتاج إليه من التأديب لبعض الناس أو زجرهم أو إقامة الحدود عليهم أو ما إلى ذلك من الأمور التي ينظر إليها غير المنصفين على أنها قسوة إنما هي غاية الرحمة، لأن فيها تطهيراً من الذنوب التي تحول بين الناس وبين رحمة الله لهم، فهي تُعمل إذاً رحمةً لهم وليس انتقاماً منهم.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
الدرس التاسع عشربسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
19/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاةٍ وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: لقد حَجَّرْتَ واسعاً، يريد رحمة الله.
التعليق على الحديث:
هذا الأعرابي هو الذي كان بال في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأراد الصحابة أن يعاقبوه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأن يتركوه ولا يقطعوا عليه بوله حتى لا يصيبه ضررٌ أو مرضٌ ثم أمرهم بأن يصبوا بعد ذلك على البول شيئاً من الماء لإزالة النجاسة، ثم دعى النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي وأفهمه ما ينبغي للمسجد من التعظيم والاحترام المنافي للبول والقذر، وكان رءوفاً رحيماً به مراعياً لعدم علمه الذي حمله على هذا الفعل السيئ، فأراد الأعرابي مكافأة النبي صلى الله عليه وسلم على فعله الطيب فدعا له في الصلاة ولنفسه بالرحمة التي لا تنال أحداً سواهما فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة بين للأعرابي أن رحمة الله واسعةٌ تشمل جميع الخلائق فلا ينبغي لك أن تضيقها.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-06-2007, 10:29 PM
الدرس العشرونبسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
20/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
التعليق على الحديث:
هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في الوحدة التي يجب أن يكون عليها المؤمنون فيتراحمون ويتوادون ويتعاطفون وإذا تعرض منهم أحد لمصيبة ولم يملك إخوانه له نجدةً فإنهم لا يعجزون عن التوجع له والتأثر من أجله والدعاء له.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-06-2007, 10:31 PM
الدرس الحادي والعشرونبسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
21/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم غرس غرساً فأكل منه إنسان أو دابةٌ أو طيرٌ إلا كان له صدقة.
التعليق على الحديث:
يشير هذا الحديث إلى أن من الرحمة أن يسمح صاحب الزرع لمن احتاج من إنسانٍ أو حيوانٍ أو طيرٍ إلى أن يأكل من زرعه بالأكل من غير خوفٍ من النقصان في زرعه فإن الله تعالى الذي أنبت له هذا الزرع سيخلف عليه بسبب رحمته للخلق أضعاف أضعاف ما أكله المحتاجون وهو سبحانه خير الرازقين.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-06-2007, 10:33 PM
الدرس الثاني والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
22/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبدا لله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لا يَرْحم لا يُرْحم.
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيد لكل من خلت أفعاله وأقواله عن رحمة الخلق من والدين وأهلٍ وأولادٍ وأقارب وأصدقاء وجيران: بأنه سيحرم من رحمة الرحمن الرحيم أرحم الراحمين الذي جعل جزاء كل إنسان من *** عمله. فمن أراد رحمة الله فليرحم خلقه سبحانه، وليجتنب القسوة والغلظة والفظاظة كما قال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الآية 159 من سورة آل عمران: {فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاًٍ غليظ القلب لانفضوا من حولك}.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:37 PM
الدرس الثالث والعشرونبسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
23/ تكميل لموضوع الرحمة
1- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يَرحمْ لا يُرْحَم.
2- روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة.
3- روى أبو داوود والترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: لا تُنْزَعُ الرحمة إلا من شقي. قال الترمذي حديث حسن.
التعليق على الأحاديث :
دل الحديثان الأولان على أن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الذي به الأسوة والقدوة- كان في غاية الرحمة وخصوصاً مع الصغار، وكان لا يتحرج من تقبيلهم أمام الناس ليتعلم الجميع العناية بهذا الأمر مع الأطفال وذلك قبل أن يقول علماء النفس بزمان طويل: (إن تقبيل الأطفال شيءٌ ضروري جداً من أجل أن يكبروا وهم أسوياء ولا بد من فعله مراتٍ ومراتٍ في اليوم الواحد).
وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديثين الأولين أن من لا يقبل الصبيان قد نزعت الرحمة من قلبه وأنه لا يرحمه الله لأنه لا يرحم أحداً.
وبين في الحديث الثالث والأخير سبب نزع الرحمة من القلوب وهو كون الإنسان من الأشقياء الذين لا خير فيهم فنسأل الله الهداية والتوفيق ونعوذ به سبحانه من الشقاوة والخذلان.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:39 PM
الدرس الرابع والعشرون
[font=Arial Black][size=3][font=Arial]بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
24/ تكميل لموضوع الرحمة
روى مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازةٍ فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسع مُدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما نقَّيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأَعِذْه من عذاب القبر، وعذاب النار. قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
التعليق على الحديث:
أحوج ما يكون إليه الميت بعد فراقه الدنيا وقبل دفنه أن يخلص المسلمون له الدعاء في صلاتهم عليه لأن الله تعالى يقبل شفاعتهم فيه، كما ثبت في صحيح مسلمٍ من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجلٍ مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه). وقد لاحظنا في الحديث أن أول ما دعى به النبي صلى الله عليه وسلم
لذلك الميت المغفرة والرحمة إذ بهما يزول الخوف بسبب ما هو آت، والحزن على مافات، وبهما تقبل الحسنات وتغفر السيئات، فحريٌ بكل مسلم أن يحفظ هذا الدعاء ليدعو به للأموات من المسلمين إذا صلى على جنازة أحدٍ منهم، نسأل الله حسن الخاتمة.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:42 PM
الدرس الخامس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
25/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأةٌ من السبي تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (أتُرَوْنَ هذه طارحةً ولدها في النار؟) قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
التعليق على الحديث:
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك أمراً يحببُ الله إلى الناس إلا بيَّنه وعلق عليه ووضحه للصحابة، وهذا من أعون الأمور على إقبال الناس على ربهم وثباتهم على دينهم، فطريق المحبة أوسعُ وأعظمُ من طريق الخوف لكن كثيراً من الناس لا ينتبهون إلى ذلك في دعوة الخلق إلى الله. وفي هذه القصة بيان لكون النبي صلى الله عليه وسلم انتهز فرصة هذا الموقف من هذه المرأة التي كانت مع قومها في أَسْر المسلمين بعد إحدى الغزوات وكانت وهي تبحث عن صغيرها كلما وجدت رضيعاً أخذته فأرضعته، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن رأيهم في رحمة هذه المرأة هل يمكن لها وقد رأيتم رحمتها أن تلقي ولدها في النار طائعةً من غير إكراهٍ ولا إجبار؟ قالوا لا يا رسول الله فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن رحمة هذه المرأة مع شدتها ووضوحها إلا أنها ليست بشيء في جوار رحمة الله عزوجل إذ هو سبحانه أرحم بعباده من هذه المرأة ومن كل أمٍ بولدها.
فياليت كل مسرفٍ على نفسه في الذنوب وارتكاب المحرمات يبلغه ما عند الله من الرحمة لعله يُنْقِذُ نفسه ويبادر بالتوبة إلى أرحم الراحمين فيكسب سعادة الدنيا والآخرة ويقلل عدد جنود الشيطان وحزبه الذين ينضمون إليه قنوطاً من رحمة الله واستعظاماً لذنوبهم واستكثاراً لها أن يكفرها الله ويغفرها ويشمل فاعليها برحمته الواسعة. نسأل الله تعالى أن ينزل علينا رحمته في كل حالٍ من أحوالنا.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:44 PM
الدرس السادس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
26/ تكميل لموضوع الرحمة
روى مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماءً فقال: أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة.
التعليق على الحديث:
المقفي: هو المتبع للأنبياء الذين سبقوه.
والحاشر: أي الذي يحشر الناس خلفه وعلى ملته.
وقوله ونبي التوبة ونبي الرحمة يبين ما جاء به هذا الدين من التيسير ودعوة الناس إلى ربهم بفتح أبواب الأمل على مصراعيها فقد جاء هذا الدين بتوبةٍ تمحو كل ما سلف من الذنوب والمعاصي ورحمةٍ تجلب كل خيرٍ وتدفع كل شرٍ.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:46 PM
الدرس السابع والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
27/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: (إن رحمتي تغلب غضبي).
التعليق على الحديث:
يشير هذا الحديث إلى نفس المعنى الذي تمّ تأكيده من قبل وهو أن رحمة ربنا واسعةٌ كما قال سبحانه في الآية 147 من سورة الأنعام: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمةٍ واسعة} وقال تعالى في الآية 156 من سورة الأعراف {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال تعالى في الآية 7 من سورة غافر على لسان الملائكة: {ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً} وببين عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي معنا أن ربنا تبارك وتعالى مهما غضب فإن رحمته سبحانه تغلب غضبه لهذا يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فلماذا اليأس والقنوط؟ ولماذا الإصرار على الذنوب؟ فاستعيذوا برحمة الله من عذابه ومن غضبه وأليم عقابه إنه سبحانه هو أرحم الراحمين.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:47 PM
°ˆ~*¤®§(*§*)§®¤*~ˆ°الدرس الثامن والعشرون°ˆ~*¤®§(*§*)§®¤*~ˆ°
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
28/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى.
التعليق على الحديث:
دعى النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن كان من أخلاقه السماحة والتيسير والتسهيل على من يتعامل معهم في بيعٍ أو شراءٍ أو في المطالبة بماله عليهم من الحقوق. فمن لم يكن من مواهبه الأخلاقية السماحة فليبذل جهده في اكتسابها ليفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:48 PM
الدرس التاسع والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
29/ تكميل لموضوع الرحمة
روى أبو داوود والترمذي عن عبدالله بن عمروٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
التعليق على الحديث:
بيَّنَّا سابقاً أن الرحمة لا تنزع إلا من شقي كما في حديث أبي هريرة عند أبي داوود والترمذي وهنا في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المستحقين لرحمة الله هم الراحمون، فإذا أردت يا عبد الله أن تكون مرحوماً فكن أولاً راحماً لا لشخصٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ فقط بل لتكن رحمتك رحمةً عامة لجميع أهل الأرض من غير فرقٍ بين شخصٍ وآخر كما روى البيهقي والطبراني بسندٍ رجاله ثقات عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تؤمنوا حتى تَرحموا) قالوا: كلنا رحيمٌ يا رسول الله، قال: (إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس، رحمة العامة).
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:49 PM
الدرس الثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
30/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا (أي اطلبوا الصواب) وقاربوا (أي لا تُفَرِّطُوا في العبادة) وأبشروا، فإنه لا يُدْخٍلُ أحداً الجنة عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرةٍ ورحمة.
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث بيان لكون كثرة الطاعات وإن كانت سبباً لدخول الجنة لكنها ليست ثمناً لها فعلى كل عبدٍ وهو يكثر من الطاعات أن يرجو من الله القبول وأن يعلم أن القبول لن يكون إلا بعد مغفرته سبحانه ورحمته وبهذا يكون الجمع الذي يحصل به الرد على كلٍ من الطائفتين المخطئتين في فهم هذا الحديث، فالطائفة التي ظنت أن الطاعات غير مؤثرةٍ في دخول الجنة يرد عليها أول الحديث: (سددوا وقاربوا وأبشروا) والطائفة التي ظنت أن الطاعات ثمنٌ لدخول الجنة يرد عليها آخر الحديث: ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرةٍ ورحمة). فاللهم وفقنا لطاعتك وتقبلها منا بفضلك ورحمتك آمين...
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:52 PM
الدرس الحادي والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من القرآن والسنة
31/ تكميل لموضوع الرحمة
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قال: تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عبَّادٍ يصلي في المسجد فقال يا عائشة: أ صوت عبَّادٍ هذا؟ قال: قلت : نعم. قال: (اللهم ارحم عبَّاداً).
التعليق على الحديث:
في هذا الحديث بيان ما يستحقه علينا من سمعناه يقرأ القرآن أو يصلي في الليل ويتهجد من الدعاء له بالرحمة كما دعى النبي صلى الله عليه وسلم لعباد بن بشر رضي الله عنه. وفي الحديث أيضاً بيان السهولة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم والتي فقدنا كثيراً منها في أيامنا هذه بسبب عدم الإحاطة بسيرته صلى الله عليه وسلم، فبعض الناس يرى أن من العيب ومن غير الجائز شرعاً أن تكون الزوجة عارفةً بأصوات الرجال الأجانب مميزةً لها، ولا أدري من أين جاءوا بذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يستعين بعائشة على التأكد من صوت القارئ أهو عبَاد بن بشر؟ فتؤكد له عائشة أن الصوت صوت عبَّاد فعلاً. فإياكم والشدة في غير موضعها أو السهولة في غير موضعها واقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أموركم تسعدوا وتفلحوا.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله.
حق الخالق والمخلوق
إعداد: سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:53 PM
الدرس الثاني والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة
32- تكميل لموضوع الرحمة
روى أحمد وأبو داوود وابن ماجة بسندٍ صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه جاءه ابن الديلمي فقال: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِتَّ على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
التعليق على الحديث:
هذا حديث عظيم يمكن أن يكون أساساً لمحاضرةٍ بعنوان (تبصير أولي الألباب برحمة الكريم الوهاب) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين فيه دليلاً واضحاً على أن رحمة الله واسعةٌ لا يمكن أن تدرك عظمتها العقول وذلك لأن نعمه سبحانه وتعالى على عباده كثيرةٌ لا تحصى متواليةٌ متتابعة في كل لحظةٍ وفي كل آن ولو منعت منها نعمة عن الإنسان لتنغص عيشه وصار في نكدٍ وهمٍ وغمٍ لا يزول عنه بحال. وهذه النعم تستوجب منا الشكر بالقلب واللسان والجوارح، وبما أن الشكر يقع في أدائه تقصير عظيم من الخلق عامةً فإنهم يصيرون مستحقين لعذاب الله ومن هنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم لأنهم عاجزون عن دفع الثمن المناسب لهذه النعم وعاجزون عن شكرها على الوجه اللائق الذي تستحقه هذه النعم.
ولو رحمهم الله وقبل منهم اليسير من العمل مع حصول الإخلاص فيه وأثابهم عليه الثواب الجزيل لكان ذلك علامةً واضحةً على سعة رحمته سبحانه ولكانت رحمته خيراً لجميع الخلائق من جميع أعمالهم مهما كثرت ومهما عظم فيها الإخلاص.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
معده ومقدمه
الشيخ سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:56 PM
الدرس الثالث والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة
33- تكميل لموضوع الرحمة
ذكرت في اللقاء الماضي الحديث الذي اتفق على روايته أربعةٌ من كبار الصحابة وأعظمهم علماً وهم أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت ورواه أحمد وابو داود وابن ماجة، ذلك الحديث الذي سببه أن ابن الديلمي جاء إلى أبي بن كعب فقال : وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحدٍ ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار.
التعليق
وأحب الآن أن أقف مع جمل هذا الحديث جملةً جملةً للتعليق عليها وذلك لما اشتملت عليه هذه الجمل في هذا الحديث من الأهمية البالغة التي تصحح أموراً كثيرة وتحذر من أخطار جسيمة يوقع العبد فيها نفسه إذا لم يحط علماً بهذا الحديث ويعتقد ما دل عليه من المعنى ويعمل بما أرشد إليه. ذكر التابعي ابن الديلمي أنه قد وقع في نفسه شيءٌ من القدر أي هجمت عليه الخواطر المنافية للإيمان والتي ورد في صحيح مسلم أن الصحابة شكَوا منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينوا أنهم يحزنون حزنا شديدا لتسلل تلك الخواطر إلى نفوسهم وأن احتراقهم حتى يصيروا فحماً أهون عليهم من جولان هذه الخواطر في نفوسهم، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الرفض الذي يقع في نفوسهم لتلك الخواطر المنافية للإيمان هو الدليل على الإيمان الصحيح الذي يمنعهم من الارتياح إلى تلك الخواطر بل يجعلهم يشعرون بالحزن الشديد وقال كما في صحيح مسلم (ذاك صريح الإيمان) وقال كما في سنن أبي داود: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
فالذي وقع في نفس التابعي قد وقع في نفوس الصحابة قبله ووقع في نفوس من جاء من بعده ويقع في نفوسنا نحن كذلك بلا شك.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
معده ومقدمه
الشيخ سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 01:59 PM
الدرس الرابع والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة
34- تكميل لموضوع الرحمة
مازلنا بصدد التعليق على حديث ابن الديلمي الذي اتفق على روايته أربعةٌ من كبار الصحابة واعظمهم علماً وقد كتبناه مرتين إلى الآن فالرجاء مراجعته، وما زلنا في التعليق على الجملة الأولى من جمل الحديث.
الذي وقع في نفس ابن الديلمي ويقع في نفوسنا بشأن القدر هو ما أدى إلى نشوء فرقةٍ مبتدعةٍ تدعى الجبرية فإن مذهبهم قائمٌ على اتهام الله سبحانه -وحاشاه- بالظلم تعالى الله عن قولهم علواً كبيرا، وقائمٌ على تبرئة أنفسهم الخاطئة. فإن النفس قد يقع فيها أن الله إذا كان قد قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: فما ذنبنا في شيء قد كتب علينا؟ وما فائدة العمل؟ وهل يمكن التخلص من مصيرٍ قد تم تقديره قبل خلقنا؟ ونحو ذلك من الأمور التي استندت عليها طائفة الجبرية حيث أساءوا الظن بالله تعالى وجلسوا يتباكون على الإنسان المسكين الذي قُدِّرَ عليه الشقاوة بلا ذنب ولا جريرة وفتحوا بذلك باب التساهل في فعل المعاصي والإفساد في الأرض ليتمتعوا على حد زعمهم بالدنيا قبل المصير إلى النار والعياذ بالله.
فنشأت طائفةٌ مبتدعةٌ أخرى أرادت أن تبرأ الله تعالى من تهمة الجبرية فقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله والله لم يُقدر عليه عمله. وهكذا يعظم الابتلاء من أول يومٍ بدأت البدع تظهر فيه إلى يومنا هذا، كلما خرجت علينا طائفةٌ ببدعةٍ خرجت في مقابلها طائفةٌ أخرى ببدعةٍ معاكسة. وهذه الطائفة الأخرى المقابلة للجبرية تسمى: القدرية وقد صح فيهم الحديث عن عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة كما في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى القدرية: مجوس هذه الأمة ، وإن لم يكونوا قد خرجوا في عهده صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن أمور كثيرةٍ تقع بعد زمانه صلى الله عليه وسلم فوقع منها ما وقع وما زال ينتظر وقوع بقيتها.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
معده ومقدمه
الشيخ سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 02:00 PM
الدرس الخامس والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة
35- تكميل لموضوع الرحمة
ما زلنا بصدد التعليق على الجملة الأولى من جمل حديث ابن الديلمي حيث جاء إلى أبي بن كعب يطلب منه أن يحدثه بشيء يذهب عنه ما وقع في نفسه بشأن القدر.
وقد ذكرت في اللقاء الماضي أن هناك فرقتين مبتدعتين تكلمتا في القدر فضلتا ضلالاً مبيناً، إحداهما سلبت العبد إرادته ومشيئته، والأخرى نفت عن الله تقدير الأعمال ومشيئته لوقوعها من العباد.
وقد جاء في سورة التكوير في آخر ثلاث آيات منها الرد على الطائفتين في آن واحدٍ ومكان واحدٍ في سورةٍ واحدةٍ، فرد سبحانه على الجبرية بإثبات المشيئة للعبد في الآية 28 ، ورد على القدرية بنفي مشيئة العبد المستقلة عن مشيئة الله في الآية 29 قال سبحانه: {إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم* وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فوصف سبحانه القرآن بأنه ذكرٌ يتذكر به الناس جميعا والذين جاءوا من بعد نزول القرآن فيتذكرون به ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة ثم ذكر سبحانه في الآية التالية أن ذلك التذكر إنما يقع ممن شاء أن يستقيم على شريعة الله التي بينها هذا الكتاب العظيم ثم ذكر سبحانه في الآية الأخيرة أنه لن يكون في إمكان أحد أن يتذكر إلا إذا كان الله تعالى قد شاء له التذكر وقدره له.
وقد يكون المعنى الذي في الآية الأخيرة بالذات فيه شيء من الصعوبة على نفوس البعض، فيقولون رجعنا إلى نفس المعنى الذي نتحير فيه وهو أنه لا يمكننا الإحسان في الأعمال إلا إذا كان الله قد أراد لنا ذلك ومعنى هذا أنه سبحانه إذا لم يكن قد أراد لنا ذلك فلن نتمكن من الإحسان ولا من الإخلاص في الأعمال.
ومن هنا يجب أن نوضح أن الجبرية والقدرية قد اشتركوا في نفي الأسباب لكن اختلفت طريقة كل منهم فانتهى أمر الجبرية إلى اتهام الله سبحانه بالظلم -تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً- وانتهى أمر القدرية إلى إلغاء وتعطيل وسلب صفاتٍ كريمةٍ من صفات الله تعالى وتقدس.
فليعلم الجميع أن القرآن والسنة مملوءان من ذكر الأسباب التي يترتب عليها السعادة والشقاوة وغاية ما هنالك أن الله تعالى لسعة علمه وشموله وعمومه قد علم أعمال عباده قبل أن يخلقهم وقبل أن يباشروا تلك الأعمال فقدر عليهم نتائجها إذ ليس من اللائق بعلمه العظيم سبحانه أن تخفى عليه أعمال عباده وأن ينتظر حتى يعملوها ليكتب لهم نتائجها –تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- قال الله تعالى في سورة الأنعام آية 110 : {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } وقال سبحانه في الآية الخامسة من سورة الصف {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.}
فثبت بذلك في القرآن والسنة وبغير ذلك من النصوص الكثيرة إثبات الأسباب وتبين كذب كل من الطائفتين المتكلمتين ابتداعاً في القدر، فنسأل الله الهداية والتوفيق.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
معده ومقدمه
الشيخ سعيد شعلان
أم الإمام
12-20-2007, 02:02 PM
الدرس السادس والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق والآداب والرقائق من الكتاب والسنة
36- تكميل لموضوع الرحمة
وبعد أن فرغنا من التعليق على الجملة الأولى من جمل حديث ابن الديلمي حيث جاء إلى أبي بن كعب يشكو إليه ما وقع في نفسه بشأن القدر، ندخل الآن إلى التعليق على الجملة الثانية من جمل هذا الحديث العظيم. قال أبي بن كعب لابن الديلمي لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه {عذبهم وهو غير ظالمٍ لهم}.
بدأ أبي بن كعب رضي الله عنه جوابه بأن حذر ابن الديلمي من الاسترسال مع الشيطان في ما يلقيه في النفس من الخواطر المنافية للإيمان عامةً وللإيمان بالقدر خاصةً. فأعلمه أن رحمة الله الواسعة التي تتجلى في عفو الله عن تقصير عباده بالرغم من عظم نعمه عليهم، هذه الرحمة تأبى وقوع الظلم منه سبحانه لعباده فلا يليق بعبدٍ أن ينسى أن الله رحيمٌ رحمن، فهذان من أسمائه سبحانه وأنه موصوفٌ سبحانه بالرحمة الواسعة ولا يليق بعبدٍ كذلك أن ينسى أن الله تعالى منزه عن الظلم كما قال سبحانه في الآية 49 من سورة الكهف: {ولا يظلم ربك أحدا}. وكما قال سبحانه في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن ابي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا}. فبين أبي بن كعب رضي الله عنه أن من رحمة الله الواسعة أنه سبحانه قد أنعم على عباده بنعمٍ كثيرة لا يستطيعون القيام بشكرها فضلاً عن دفع ثمنها وبناءً على ذلك فإنهم مستحقون للعذاب فلو عذبهم سبحانه جميعاً بناءً على هذا الاعتبار لكان غير ظالمٍ لهم، ولكنه سبحانه لسعة وشمول وعموم وعظمة رحمته لا يعذبهم على عدم التمكن من شكر نعم الله حق شكرها وعلى عدم التمكن من دفع ثمنها إذ هذا أمرٌ ليس في مقدور أحدٍ كائناً من كان ولا حتى الملائكة المقربين ولا الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً. وإنما يعذب الله من عباده من جحد نعمه وكفر بها واستعملها في معصيته وآذى عباده فضربهم وشتمهم وسبهم وقذفهم واغتابهم وسرق أموالهم وغصبهم ممتلكاتهم وأكل حقوقهم وسفك دماءهم وتحداهم بأنه لو كان للدنيا إلهٌ لانتقم لهم ونصرهم فهذا هو المستحق للعذاب سواءٌ بالخلود إذا كان كافراً، أو بالبقاء في النار لفترةٍ يعلمها الله ثم يخرج منها إذا كان من عصاة الموحدين. فإن عصاة الموحدين إذا لم يشأ الله أن يعفو عنهم وأدخلهم النار فإنهم لا يخلدون فيها، ونستكمل ما يتعلق بهذه الجملة في اللقاء القادم إنشاء الله.
وإلى اللقاء القادم إنشاء الله تعالى.
معده ومقدمه
الشيخ سعيد شعلان
عبدالصمد
09-02-2010, 07:53 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
بارك الله فيكم
أم آدم
09-03-2010, 02:25 PM
بارك الله فيك أختي الفاضلة،و نفع بك.
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.7