الشيخ أحمد جودة
08-19-2006, 04:15 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح لا بد أن نتحدث في هذا التمهيد عن حقائق ثلاث هي:
(1) حقيقة الإسلام الممثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومدلول هذه الكلمة وشروطها.
(2) الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد.
(3) نواقض الإسلام: الشرك والكفر والنفاق والردة.
وهدفي من هذا هو: أن أحاول – بقدر الطاقة – إبراز حقيقة الإسلام، وحقيقة ما يناقضه. مع إبراز حقيقة قضية الولاء والبراء ودورهما في حياة المسلمين. لأن الولاء والبراء جزء من هذه العقيدة فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد. ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحبسها. إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية.
ثم إن الوقوف على حقيقة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحدثته هذه الدعوة من تحول في تاريخ البشرية، وما بنته من حضارة سعد بها الإنسان المسلم منذ أول لحظة عرف فيها ربه ودينه ونبيه: لأمر جدير بالتأمل، تلك الدعوة التي جاءت وقد كان الناس يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ثم أنقذتهم و أحيتهم بعد ممات:
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ { [سورة الأنعام: 122].
ص20
ولقد أوضح حقيقة تلك الحال التي كانوا عليها الصحابي الجليل المقداد (1) بن الأسود رضي الله عنه فيما رواه أبو نعيم في الحلية (.. والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء،في فترة وجاهلية. ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً – وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان – ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإنها للتي قال الله عز وجل:
{ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ{ [سورة الفرقان: 74] (2) .
هذه الجاهلية التي تحدث القرآن عنها وهو يمتن على المسلمين بالهداية. قال تعالى:
{ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{ [سورة آل عمران:103].
ص21
ولما عرف الصحابة رضوان الله عليهم الجاهلية، ثم عرفوا الإسلام خرجوا – نتيجة للتربية القرآنية والعناية النبوية – وهم أعظم جيل عرفه تاريخ هذه الدعوة.
ترى، ما سر تلك العظمة التي نقرأ عنها ونسمع، وكأنها شبه أحلام، نظراً للهوة السحيقة التي وصلنا إليها؟ ذلك الجيل الذي كان الواحد منهم إذا دخل في الإسلام خلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، وانتقل نقلة بعيدة من عالم مظلم سحيق، وتصور قاصر، ومفاهيم كليلة، وعبودية للمال والعبيد، إلى حياة رحبة فسيحة، وعالم يملؤه نور الله، وتصور كامل شامل، واستعلاء على كل عبودية إلا العبودية لله عز وجل.(3).
إن سر ذلك النجاح، وتلك العظمة هو نقطة البدء التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة التي مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة. رابطة الحب في الله، رابطة المؤاخاة الإيمانية التي يتهاوى دونها كل عرق ودم وتراب و*** ولون.
ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي. اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلي إلا ظلي)(4)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم
ص22
من الله تعالى) قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية:
{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{ (5) [سورة يونس: 62].
ولقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس العصبة المسلمة، مما جعل آثار ذلك تنعكس في أفعالهم الحميدة، وجهادهم المستمر لنشر كلمة الله في الأرض، حيث قامت دولة المصطفي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
إن الذي يجعلنا نتحدث عن قضية الألوهية، ومفهومها الصحيح الذي جاء به الإسلام هو الحاجة الماسة لشرحها اليوم، وبيانها للناس. بعد أن انحرف الناس – إلا من رحم الله – عن العقيدة الصافية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد أصبحت هذه القضية عند سواد الناس اليوم مجرد لفظة ترددها الألسنة دون وعي وتدبر لمعناها ولوازمها، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه إلى إيراد بعض النصوص للاستشهاد بها على ما يرون من معتقد، دون نظر لكامل النصوص في هذه القضية، ودون رجوع إلى بيان ذلك في كتب أهل العلم من كتب الحديث وشروحها وكتب التفسير وشروح جهابذة رجال الدعوة والإصلاح على مدار تاريخ هذه الأمة.
ومسخ أيضاً مفهوم العبادة الشامل الكامل للحياة الدنيا والآخرة إلى جزء يسير منها وهو الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج.
أما النظام الذي تقوم عليه الحياة. أما الولاء لمن يكون؟ والبراء ممن يكون؟
ص23
أما الحب لمن؟ والبغض لمن؟ فهذه معان بعيدة عن تصورهم ومجال تفكيرهم!!
إن هذا الدين لم يكن توحيد ربوبية فحسب. وإنما هو أيضاً توحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات تليق بجلال الله وعظمته.
وتأمل – كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله –:
(حال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام ينذر المشركين عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون، ولا يضرون: جعلوا ذلك شتماً.
فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعدواة والبغض، كما قال تعالى في سورة المجادلة:
{ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان{ [سورة المجادلة: 22].
(فإذا فهمت هذا جيداً عرفت أن كثير من الذين يدعون الدين لا يعرفونها – أي لا إله إلا الله – وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب والأسر، والضرب، والهجرة للحبشة، مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخـص لهم) (6).
ص24
وما دام أن هناك من يجهل حقيقة (لا إله إلا الله) فلا بد من الشرح لها، والبيان لمدلولها وحقيقتها، وشروطها ونواقضها ولوازمها وإليك ذلك مفصلاً.
ومن الله نستمد العون والسداد.
ص25
كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك تنفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحـده(7).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين)(8) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر.
ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفياً وإثباتاً.
ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.
وبراء من كل طاغوت عبد من دون الله (9):
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ { [سورة البقرة:256].
ص26
وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (10) يعني الآية السابقة 256 سورة البقرة.
وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله:{
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ { [سورة الأعراف:3].
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا{ [سورة الروم:30].
وبراء من حكم الجاهلية:
{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}[سورة المائدة:50].
وبراء من كل دين غير دين الإسلام:
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{.[سورة آل عمران:85].
ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور. وتثبت أربعة أمور.
(تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
ص27
فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهاً.
والطواغيت: من عبد وهو راض، أو رشح للعبادة.
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ { [سورة البقرة: 165].
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، مصداقاً لقوله تعالى:
{اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله{ [سورة التوبة:31].
وتثبيت أربعة أمور:
القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله.
والتعظيم والمحبة: لقوله تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ { [سورة البقرة:165].
والخوف والرجاء: لقوله تعالى:
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [سورة يونس: 107].
فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما
ص28
أخبر تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه:
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ{ [سورة الممتحنة: 4].(11)
ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مطابقة وإما تضمناً وإما التزاماً (12)، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.
والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله)(13).
أما كيف تم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة هذه الكلمة والتزام أحكامها والعمل بمقتضياتها ولوازمها فيشرح ذلك الإمام الجليل سفيان بن عيينة:(14).
ص29
(حدث محمد بن عبد الملك المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل. قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون: أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده.
إن الله عز وجل بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله. فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم (15).
(فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله تبارك وتعالى صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبنائهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله: هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رؤسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا
ص30
ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، ولا طوافهم. فلما علم الله تبارك وتعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال عز وجل: قل لهم:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا { [سورة المائدة:3].
(قال سفيان: فمن ترك خله من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها، أدبناه وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس) (16).
وقد ذكر العلماء رحمهم الله شروطاً سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه. وإليك شرحها:
ص31
شروط لا إله إلا الله
ينبغي أن نعلم أنه
[ليس المراد من هذا عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله](17).
وقد قال وهب بن منبه (18) لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتـح لك (19).
وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) الآتية:-
الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتا، المنافي للجهل بذلك قال تعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ{ [سورة محمد:19].
وقال تعالى:
{إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ { [سورة الزخرف:86].
أي: بــ "لا إله إلا الله": (وهم يعلمون) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.
وقال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [سورة آل عمران:18].
وفي الصحيح عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علبه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)(20).
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. معنى ذلك: أن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن (21) قال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{ [سورة الحجرات:15].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا
ص33
دخل الجنة)(22). وفي رواية (لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة). وعن أبي هريرة أيضاً من حديث طويل (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)(23).
وقال القرطبي: في (المفهم على صحيح مسلم): (باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد، بل لابد من استيقان القلب. وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده. بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً)(24).
الشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله عز وجل علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ {23}قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ {24} فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{ [سورة الزخرف:23-25].
وقال تعالى:
{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ { [سورة يونس:103].
ص34
ويقول تعالى:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ {35} وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ{ (25). [سورة الصافات:35- 36].
الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك
قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ { [سورة الزمر:54]. وقال: {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجه لله وهو محسن} [سورة النساء: 125].وقال تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى{ [سورة لقمان:22].
أي بلا إله إلا الله
وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)(26) وهذا هو تمام الانقياد وغايته
ص35
وقال تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا{ [سورة النساء:65].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) (27).
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، ويواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: {الم {1}أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ {2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{ (28) [سورة العنكبوت:1 – 3].
وقال تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {8} يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم
ص36
وَمَا يَشْعُرُونَ {9}فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{ [سورة البقرة:8-10].
وفي "الصحيحين" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" (29).
قال العلامة ابن القيم:
(والتصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، والتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، معلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها)(30).
وفي الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه] (31).
وقال ابن رجب:
(أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى.
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ { (32) [سورة القصص:50].
ص37
{وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ{ [سورة ص:26].
الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك (33).
قال تعالى {ألا لله الدين الخالص{ [سورة الزمر: 3]
وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [سورة البينة: 5].
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه): أو نفسه) (34).
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك (35) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل)(36).
وللنسائي في اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها قلبه، يصدق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقاً حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله)(37)
ص38
وقال الفضيل بن عياض رحمة الله: (إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة)(38).
ولقد ضرب الله سبحانه في القرآن العظيم مثلاً واضحاً للمخلص في توحيده وللمشرك قال تعالى:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [سورة الزمر: 29].
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيرها:
(هذا مثل يضربه الله للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة.. وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح) (هل يستويان)؟ لا. لأن الذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة مشتركين معذب مقلقل، لا يستقر على حال، ولا يرضى واحداً منهم فضلاً عن أن يرضي الجميع. وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يسير على هدى من الله يستمد منه وحده ويتجه إليه وحده)(39) .
ص39
ويقول الشيخ القاسمي رحمه الله:
(إن القصد هو توحيد المعبود في توحيد الوجهة، ودرء الفرقة كما قال تعالى:
{أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{ (40) [سورة يوسف: 39].
إن الإسلام لابد فيه من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فمن أسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ { (41).[سورة غافر: 60].
الشرط السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك، قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ { (42) [سورة البقرة:165].
ص40
وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ { [سورة المائدة: 54].
وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)(43).
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله (44) :
(وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله. ومعاداة من عاداه واتباع رسوله، واقتفاء أثره وقبول هداه)(45).
ويقول ابن القيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من تحب
فإذا ادعيت له المحبة مـع خلا
أتحب أعداء الحبيب وتدعي
وكذا تعادي جاهداً أحبابه
ليس العبـادة غير توحيد المحبة
على محبته بلا عصيان
فك ما يحب فأنت ذو بهتان
حباً له ما ذاك في إمكان
أين المحبة يا أخا الشيطان
مع خضوع القلب والأركان
ص41
إلى أن يقول:
ولقد رأينا من فريق يدعي الإ
جعلوا له شركاء والوهم وسو
سلام شركاً ظاهر التبيان
وهم به في الحب لا السلطان (46)
ص42
الولاء والبراء من لوازم لا إله الله
(لما كان أصل الموالاة: الحب. وأصل المعاداة: البغض. وينشأ عنهما من القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك)(47). فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى:
{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{ [سورة آل عمران: 28].
ويقول تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {31} قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ{ [سورة آل عمران: 31-32].
ص43
ويقول تباركت أسماؤه عن أهداف أعداء الله:
{وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ{ [سورة النساء: 89].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ [سورة المائدة: 51].
ويقول تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ{ [سورة المائدة: 54].
أما الأحاديث والآثار: فكثيرة وأذكر منها:-
(1) ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر)(48).
(2) روي أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)(49).
(3) روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ص44
قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله)(50)
(4) أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) (51).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا:
قوله: (ووالى في الله) هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة، فيه، إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب. وهي النصرة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً. وقوله (وعادى في الله) هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه. أي إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، وإشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى:
{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ {(52) [سورة الممتحنة: 4].
ص45
قلت: ومما سبق يتضح أن الولاء في الله هو: محبة الله ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم. والبراء هو: بغض أعداء الله ومجاهدتهم. وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول بـ: (أولياء الله)، والفريق الثاني بـ: (أولياء الشيطان) قال تعالى:
{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [سورة البقرة: 257].
وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا { [سورة: 76].
واعلم أن الله سبحانه لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا { [سورة الأنعام: 112].
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى:
ص46
{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون{ [سورة غافر: 83].
(والواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحاً يقاتل به هؤلاء الشياطين، ومن ثم لا خوف ولا حزن لأن:
{كيد الشيطان كان ضعيفاً}[سورة النساء: 76].
(والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين كما قال تعالى
{ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{ [سورة الصافات: 173].
فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان)(53).
وإذا كانت أهداف أعداء الإسلام من ملحدين ويهود ونصارى ومستغربين وصهيونية عالمية وشيوعية عالمية هي تمييع عقيدة المسلمين، وتذويب شخصيتهم المتفردة، لجعلهم حميراً للشعب المختار كما تنص على ذلك بروتوكولات حكماء صهيون. فإنه يتضح لدى المسلم أهمية هذا الموضوع حتى يحذر هو ومن معه، بل يحذر المسلمون عامة، من الانزلاق في مهاوي الردى خاصة وأن الدعوات المشبوهة الملحدة تدعو إلى ما يسمى بالأخوة والمساواة وأن الدين لله والوطن للجميع.! وسوف أتعرض لهذا بالتفصيل إن شاء الله في الباب الأخير.
فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء من لوازم لا إله إلا الله) وهو أيضاً تحقيق معناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (إن
ص47
تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله)(54) ويوالي المؤمنين في أي مكان حلوا ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب.
يتبع بإذن الله
_________________
لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح لا بد أن نتحدث في هذا التمهيد عن حقائق ثلاث هي:
(1) حقيقة الإسلام الممثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومدلول هذه الكلمة وشروطها.
(2) الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد.
(3) نواقض الإسلام: الشرك والكفر والنفاق والردة.
وهدفي من هذا هو: أن أحاول – بقدر الطاقة – إبراز حقيقة الإسلام، وحقيقة ما يناقضه. مع إبراز حقيقة قضية الولاء والبراء ودورهما في حياة المسلمين. لأن الولاء والبراء جزء من هذه العقيدة فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد. ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحبسها. إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية.
ثم إن الوقوف على حقيقة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحدثته هذه الدعوة من تحول في تاريخ البشرية، وما بنته من حضارة سعد بها الإنسان المسلم منذ أول لحظة عرف فيها ربه ودينه ونبيه: لأمر جدير بالتأمل، تلك الدعوة التي جاءت وقد كان الناس يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ثم أنقذتهم و أحيتهم بعد ممات:
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ { [سورة الأنعام: 122].
ص20
ولقد أوضح حقيقة تلك الحال التي كانوا عليها الصحابي الجليل المقداد (1) بن الأسود رضي الله عنه فيما رواه أبو نعيم في الحلية (.. والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء،في فترة وجاهلية. ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً – وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان – ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإنها للتي قال الله عز وجل:
{ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ{ [سورة الفرقان: 74] (2) .
هذه الجاهلية التي تحدث القرآن عنها وهو يمتن على المسلمين بالهداية. قال تعالى:
{ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{ [سورة آل عمران:103].
ص21
ولما عرف الصحابة رضوان الله عليهم الجاهلية، ثم عرفوا الإسلام خرجوا – نتيجة للتربية القرآنية والعناية النبوية – وهم أعظم جيل عرفه تاريخ هذه الدعوة.
ترى، ما سر تلك العظمة التي نقرأ عنها ونسمع، وكأنها شبه أحلام، نظراً للهوة السحيقة التي وصلنا إليها؟ ذلك الجيل الذي كان الواحد منهم إذا دخل في الإسلام خلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، وانتقل نقلة بعيدة من عالم مظلم سحيق، وتصور قاصر، ومفاهيم كليلة، وعبودية للمال والعبيد، إلى حياة رحبة فسيحة، وعالم يملؤه نور الله، وتصور كامل شامل، واستعلاء على كل عبودية إلا العبودية لله عز وجل.(3).
إن سر ذلك النجاح، وتلك العظمة هو نقطة البدء التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة التي مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة. رابطة الحب في الله، رابطة المؤاخاة الإيمانية التي يتهاوى دونها كل عرق ودم وتراب و*** ولون.
ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي. اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلي إلا ظلي)(4)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم
ص22
من الله تعالى) قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية:
{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{ (5) [سورة يونس: 62].
ولقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس العصبة المسلمة، مما جعل آثار ذلك تنعكس في أفعالهم الحميدة، وجهادهم المستمر لنشر كلمة الله في الأرض، حيث قامت دولة المصطفي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
إن الذي يجعلنا نتحدث عن قضية الألوهية، ومفهومها الصحيح الذي جاء به الإسلام هو الحاجة الماسة لشرحها اليوم، وبيانها للناس. بعد أن انحرف الناس – إلا من رحم الله – عن العقيدة الصافية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد أصبحت هذه القضية عند سواد الناس اليوم مجرد لفظة ترددها الألسنة دون وعي وتدبر لمعناها ولوازمها، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه إلى إيراد بعض النصوص للاستشهاد بها على ما يرون من معتقد، دون نظر لكامل النصوص في هذه القضية، ودون رجوع إلى بيان ذلك في كتب أهل العلم من كتب الحديث وشروحها وكتب التفسير وشروح جهابذة رجال الدعوة والإصلاح على مدار تاريخ هذه الأمة.
ومسخ أيضاً مفهوم العبادة الشامل الكامل للحياة الدنيا والآخرة إلى جزء يسير منها وهو الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج.
أما النظام الذي تقوم عليه الحياة. أما الولاء لمن يكون؟ والبراء ممن يكون؟
ص23
أما الحب لمن؟ والبغض لمن؟ فهذه معان بعيدة عن تصورهم ومجال تفكيرهم!!
إن هذا الدين لم يكن توحيد ربوبية فحسب. وإنما هو أيضاً توحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات تليق بجلال الله وعظمته.
وتأمل – كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله –:
(حال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام ينذر المشركين عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون، ولا يضرون: جعلوا ذلك شتماً.
فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعدواة والبغض، كما قال تعالى في سورة المجادلة:
{ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان{ [سورة المجادلة: 22].
(فإذا فهمت هذا جيداً عرفت أن كثير من الذين يدعون الدين لا يعرفونها – أي لا إله إلا الله – وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب والأسر، والضرب، والهجرة للحبشة، مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخـص لهم) (6).
ص24
وما دام أن هناك من يجهل حقيقة (لا إله إلا الله) فلا بد من الشرح لها، والبيان لمدلولها وحقيقتها، وشروطها ونواقضها ولوازمها وإليك ذلك مفصلاً.
ومن الله نستمد العون والسداد.
ص25
كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك تنفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحـده(7).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين)(8) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر.
ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفياً وإثباتاً.
ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.
وبراء من كل طاغوت عبد من دون الله (9):
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ { [سورة البقرة:256].
ص26
وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (10) يعني الآية السابقة 256 سورة البقرة.
وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله:{
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ { [سورة الأعراف:3].
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا{ [سورة الروم:30].
وبراء من حكم الجاهلية:
{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}[سورة المائدة:50].
وبراء من كل دين غير دين الإسلام:
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{.[سورة آل عمران:85].
ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور. وتثبت أربعة أمور.
(تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
ص27
فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهاً.
والطواغيت: من عبد وهو راض، أو رشح للعبادة.
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ { [سورة البقرة: 165].
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، مصداقاً لقوله تعالى:
{اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله{ [سورة التوبة:31].
وتثبيت أربعة أمور:
القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله.
والتعظيم والمحبة: لقوله تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ { [سورة البقرة:165].
والخوف والرجاء: لقوله تعالى:
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [سورة يونس: 107].
فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما
ص28
أخبر تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه:
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ{ [سورة الممتحنة: 4].(11)
ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مطابقة وإما تضمناً وإما التزاماً (12)، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.
والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله)(13).
أما كيف تم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة هذه الكلمة والتزام أحكامها والعمل بمقتضياتها ولوازمها فيشرح ذلك الإمام الجليل سفيان بن عيينة:(14).
ص29
(حدث محمد بن عبد الملك المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل. قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون: أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده.
إن الله عز وجل بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله. فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم (15).
(فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله تبارك وتعالى صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبنائهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله: هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رؤسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا
ص30
ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، ولا طوافهم. فلما علم الله تبارك وتعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال عز وجل: قل لهم:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا { [سورة المائدة:3].
(قال سفيان: فمن ترك خله من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها، أدبناه وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس) (16).
وقد ذكر العلماء رحمهم الله شروطاً سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه. وإليك شرحها:
ص31
شروط لا إله إلا الله
ينبغي أن نعلم أنه
[ليس المراد من هذا عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله](17).
وقد قال وهب بن منبه (18) لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتـح لك (19).
وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) الآتية:-
الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتا، المنافي للجهل بذلك قال تعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ{ [سورة محمد:19].
وقال تعالى:
{إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ { [سورة الزخرف:86].
أي: بــ "لا إله إلا الله": (وهم يعلمون) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.
وقال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [سورة آل عمران:18].
وفي الصحيح عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علبه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)(20).
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. معنى ذلك: أن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن (21) قال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{ [سورة الحجرات:15].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا
ص33
دخل الجنة)(22). وفي رواية (لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة). وعن أبي هريرة أيضاً من حديث طويل (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)(23).
وقال القرطبي: في (المفهم على صحيح مسلم): (باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد، بل لابد من استيقان القلب. وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده. بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً)(24).
الشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله عز وجل علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ {23}قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ {24} فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{ [سورة الزخرف:23-25].
وقال تعالى:
{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ { [سورة يونس:103].
ص34
ويقول تعالى:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ {35} وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ{ (25). [سورة الصافات:35- 36].
الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك
قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ { [سورة الزمر:54]. وقال: {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجه لله وهو محسن} [سورة النساء: 125].وقال تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى{ [سورة لقمان:22].
أي بلا إله إلا الله
وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)(26) وهذا هو تمام الانقياد وغايته
ص35
وقال تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا{ [سورة النساء:65].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) (27).
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، ويواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: {الم {1}أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ {2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{ (28) [سورة العنكبوت:1 – 3].
وقال تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {8} يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم
ص36
وَمَا يَشْعُرُونَ {9}فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{ [سورة البقرة:8-10].
وفي "الصحيحين" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" (29).
قال العلامة ابن القيم:
(والتصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، والتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، معلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها)(30).
وفي الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه] (31).
وقال ابن رجب:
(أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى.
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ { (32) [سورة القصص:50].
ص37
{وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ{ [سورة ص:26].
الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك (33).
قال تعالى {ألا لله الدين الخالص{ [سورة الزمر: 3]
وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [سورة البينة: 5].
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه): أو نفسه) (34).
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك (35) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل)(36).
وللنسائي في اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها قلبه، يصدق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقاً حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله)(37)
ص38
وقال الفضيل بن عياض رحمة الله: (إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة)(38).
ولقد ضرب الله سبحانه في القرآن العظيم مثلاً واضحاً للمخلص في توحيده وللمشرك قال تعالى:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [سورة الزمر: 29].
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيرها:
(هذا مثل يضربه الله للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة.. وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح) (هل يستويان)؟ لا. لأن الذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة مشتركين معذب مقلقل، لا يستقر على حال، ولا يرضى واحداً منهم فضلاً عن أن يرضي الجميع. وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يسير على هدى من الله يستمد منه وحده ويتجه إليه وحده)(39) .
ص39
ويقول الشيخ القاسمي رحمه الله:
(إن القصد هو توحيد المعبود في توحيد الوجهة، ودرء الفرقة كما قال تعالى:
{أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{ (40) [سورة يوسف: 39].
إن الإسلام لابد فيه من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فمن أسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ { (41).[سورة غافر: 60].
الشرط السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك، قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ { (42) [سورة البقرة:165].
ص40
وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ { [سورة المائدة: 54].
وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)(43).
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله (44) :
(وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله. ومعاداة من عاداه واتباع رسوله، واقتفاء أثره وقبول هداه)(45).
ويقول ابن القيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من تحب
فإذا ادعيت له المحبة مـع خلا
أتحب أعداء الحبيب وتدعي
وكذا تعادي جاهداً أحبابه
ليس العبـادة غير توحيد المحبة
على محبته بلا عصيان
فك ما يحب فأنت ذو بهتان
حباً له ما ذاك في إمكان
أين المحبة يا أخا الشيطان
مع خضوع القلب والأركان
ص41
إلى أن يقول:
ولقد رأينا من فريق يدعي الإ
جعلوا له شركاء والوهم وسو
سلام شركاً ظاهر التبيان
وهم به في الحب لا السلطان (46)
ص42
الولاء والبراء من لوازم لا إله الله
(لما كان أصل الموالاة: الحب. وأصل المعاداة: البغض. وينشأ عنهما من القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك)(47). فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى:
{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{ [سورة آل عمران: 28].
ويقول تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {31} قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ{ [سورة آل عمران: 31-32].
ص43
ويقول تباركت أسماؤه عن أهداف أعداء الله:
{وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ{ [سورة النساء: 89].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ [سورة المائدة: 51].
ويقول تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ{ [سورة المائدة: 54].
أما الأحاديث والآثار: فكثيرة وأذكر منها:-
(1) ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر)(48).
(2) روي أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)(49).
(3) روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ص44
قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله)(50)
(4) أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) (51).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا:
قوله: (ووالى في الله) هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة، فيه، إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب. وهي النصرة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً. وقوله (وعادى في الله) هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه. أي إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، وإشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى:
{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ {(52) [سورة الممتحنة: 4].
ص45
قلت: ومما سبق يتضح أن الولاء في الله هو: محبة الله ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم. والبراء هو: بغض أعداء الله ومجاهدتهم. وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول بـ: (أولياء الله)، والفريق الثاني بـ: (أولياء الشيطان) قال تعالى:
{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [سورة البقرة: 257].
وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا { [سورة: 76].
واعلم أن الله سبحانه لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا { [سورة الأنعام: 112].
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى:
ص46
{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون{ [سورة غافر: 83].
(والواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحاً يقاتل به هؤلاء الشياطين، ومن ثم لا خوف ولا حزن لأن:
{كيد الشيطان كان ضعيفاً}[سورة النساء: 76].
(والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين كما قال تعالى
{ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{ [سورة الصافات: 173].
فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان)(53).
وإذا كانت أهداف أعداء الإسلام من ملحدين ويهود ونصارى ومستغربين وصهيونية عالمية وشيوعية عالمية هي تمييع عقيدة المسلمين، وتذويب شخصيتهم المتفردة، لجعلهم حميراً للشعب المختار كما تنص على ذلك بروتوكولات حكماء صهيون. فإنه يتضح لدى المسلم أهمية هذا الموضوع حتى يحذر هو ومن معه، بل يحذر المسلمون عامة، من الانزلاق في مهاوي الردى خاصة وأن الدعوات المشبوهة الملحدة تدعو إلى ما يسمى بالأخوة والمساواة وأن الدين لله والوطن للجميع.! وسوف أتعرض لهذا بالتفصيل إن شاء الله في الباب الأخير.
فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء من لوازم لا إله إلا الله) وهو أيضاً تحقيق معناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (إن
ص47
تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله)(54) ويوالي المؤمنين في أي مكان حلوا ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب.
يتبع بإذن الله
_________________